الحكومة تستجيب لحملة "اليوم السابع": إلغاء منصب الرئيس غير التنفيذي يوفر الملايين
في خطوة تعكس التزام الحكومة المصرية بترشيد الإنفاق العام وتعزيز الحوكمة في شركات قطاع الأعمال، وافق مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي على تعديلات جوهرية في قانون شركات قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991. هذه التعديلات، التي جاءت استجابة لحملة صحفية مكثفة قادتها جريدة "اليوم السابع" على مدار ثلاثة أشهر، تهدف إلى إلغاء منصب رئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي في الشركات التي لا يستدعي حجم أعمالها أو رأسمالها الفصل بين المنصبين، مما يبشر بتوفير عشرات الملايين من الجنيهات سنوياً وإغلاق باب المجاملات الإدارية.
حملة صحفية ناجحة تكشف تحديات المناصب غير التنفيذية
بدأت حملة "اليوم السابع" في شهر فبراير الماضي، مسلطة الضوء على التكاليف الباهظة والمشاكل الإدارية الناجمة عن استمرار منصب رئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي في شركات قطاع الأعمال العام. أشارت الحملة، المدعومة بالأرقام والتحليلات، إلى أن هذا المنصب غالباً ما يكون غير ضروري، خاصة في الشركات القابضة والصغيرة، ويمثل عبئاً مالياً وإدارياً دون مردود حقيقي على أداء الشركات. ففي كثير من الأحيان، يتحول هذا المنصب إلى ساحة للمجاملات، وتنشأ عنه خلافات كبيرة مع الرؤساء التنفيذيين، مما يعرقل سير العمل ويؤثر سلباً على كفاءة الأداء.
التكاليف الخفية للمناصب غير الضرورية
كشفت مصادر مطلعة لـ"اليوم السابع" أن الشركات القابضة والتابعة تتحمل تكاليف مالية إضافية كبيرة جراء هذه المناصب، تشمل رواتب ومكافآت وأرباحاً ومصروفات أخرى. ففي 22 فبراير، قدرت الحملة أن 69 شركة لديها رؤساء مجالس إدارة غير متفرغين، يتقاضى كل منهم راتباً شهرياً يتراوح بين 30 ألفاً و70 ألف جنيه، بالإضافة إلى بدلات واجتماعات مجلس الإدارة واللجان. كما يتقاضى الرئيس غير التنفيذي 1.5% من الأرباح السنوية، بما يتراوح بين 400 ألف جنيه و2.5 مليون جنيه، حيث يتقاضى الأغلبية المبالغ الأعلى. وبحساب هذه المبالغ، يمكن أن تصل التكاليف إلى نحو 300 مليون جنيه سنوياً، تُنفق على قيادات لا يمارس أغلبها مهام عملها إلا حضور اجتماعات مجلس الإدارة فقط، بل إن بعضهم يتدخل في اختصاصات الرئيس التنفيذي، مما يعرقل العمل ولا يدفعه إلى الأمام.
استجابة حكومية سريعة لترشيد الإنفاق
تجاوبت الأوساط الحكومية وقطاع الأعمال العام بشكل واسع مع مقترح إلغاء هذا المنصب. ففي 15 فبراير، رحبت مصادر بالقطاع بالمقترح، مؤكدة أنه سيحافظ على أموال الشركات ويحول دون حدوث خلافات إدارية. وفي 24 مارس، جاءت أولى الاستجابات العملية بقبول استقالة طارق الحديدي من منصبه كرئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي للشركة القابضة للصناعات المعدنية، مما عكس جدية التوجه نحو الإصلاح.
تعديلات قانونية لتعزيز الحوكمة
في 11 مايو، عقد الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، اجتماعاً لمناقشة التعديلات المقترحة على قانون شركات قطاع الأعمال العام. وأوضح أن الهدف هو مناقشة تعديلات محددة وليس تغيير القانون بالكامل، بهدف تطوير وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة لتحسين أدائها وتطبيق أفضل برامج الإصلاح الفني والإداري. توجت هذه الجهود بموافقة مجلس الوزراء في 20 مايو 2026 على مشروع قانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 203 لسنة 1991. تضمنت التعديلات أحكاماً ترتبط بتنظيم عمل الجمعيات العامة للشركات وأدوار مجالس إدارتها، مع إضافة مادة جديدة (35 مكرراً 2) تنص على جواز أن تعهد الجمعية العامة للشركة للعضو المنتدب التنفيذي القيام بمهام رئيس مجلس الإدارة، في حالة الشركات التي لا يستدعي حجم أعمالها أو رأسمالها الفصل بين المنصبين، مع عدم الإخلال بقواعد الحوكمة للشركات العاملة في الأنشطة المالية غير المصرفية، وقواعد قيد وشطب الأوراق المالية بالبورصات المصرية.

آفاق مستقبلية: كفاءة أعلى وترشيد مستمر
يمثل هذا القرار الحكومي نقطة تحول مهمة في مسار إصلاح شركات قطاع الأعمال العام، ويعكس التزام الدولة بتحقيق أقصى درجات الكفاءة والشفافية. من المتوقع أن يؤدي إلغاء المناصب غير التنفيذية غير الضرورية إلى توفير مبالغ طائلة كانت تُهدر سنوياً، وتوجيه هذه الأموال نحو استثمارات حقيقية تعود بالنفع على الشركات والاقتصاد الوطني. كما سيسهم في تبسيط الهياكل الإدارية، وتقليل النزاعات الداخلية، وتعزيز دور العضو المنتدب التنفيذي، مما يضمن اتخاذ قرارات أكثر فاعلية وسرعة. هذه الخطوة تؤكد أن الإصلاح الإداري والمالي المستمر هو السبيل الأمثل لضمان استدامة ونجاح هذه الشركات في المستقبل.