حين يصرخ الحليف في وجه حليفه — اتصال ترامب ونتنياهو الذي هزّ الشرق الأوسط
حين يصرخ الحليف في وجه حليفه — اتصال ترامب ونتنياهو الذي هزّ الشرق الأوسط

١ · الاتصال الذي كسر كل الأعراف الدبلوماسية
في عالم السياسة، ثمة أسرار تُحفظ خلف جدران الغرف المغلقة، وثمة أسرار تتسرب لتهزّ الرأي العام بقوة زلزال. كشفت تقارير نقلها موقع "أكسيوس" الأمريكي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجّه انتقادات لاذعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اتصال هاتفي وصفه مسؤولون أمريكيون بأنه "الأسوأ" بين الرجلين على الإطلاق. (Al Manar) لم يكن الأمر خلافًا دبلوماسيًا هادئًا يجري بلغة المجاملات والصياغات الحذرة التي تسود عادةً بين قادة الدول الحليفة، بل كان مواجهة مكشوفة بألفاظ حادة ونبرة غاضبة لم تعهدها العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في تاريخها الطويل. جاء هذا الاتصال على خلفية تهديد نتنياهو باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، مما تسبب في نزوح واسع ودفع إيران إلى التهديد بقصف شمال إسرائيل إذا نُفذت الضربات. ولحظة واحدة كانت كفيلة بأن تُسقط الأقنعة كلها.
٢ · "أنت مجنون تمامًا" — الجملة التي صدمت العالم
صرخ ترامب في إحدى لحظات الاتصال قائلًا: "أنت مجنون تمامًا. لولاي لكنت في السجن الآن. أنا من أنقذ عنقك". ثلاث جمل قصيرة تحمل في طياتها ما يكفي لإعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة. فهذه ليست مجرد انفعالات لحظية من رئيس عُرف بتصريحاته المباشرة، بل هي رسالة سياسية صريحة تكشف عمق التوتر الذي وصل إليه الطرفان. ذكّر ترامب نتنياهو بدعمه له خلال محاكمته بتهم الفساد، معتبرًا أنه أنقذه من السجن، ونقل مسؤول أمريكي عنه قوله: "الجميع يكرهك ويكره إسرائيل بسبب أفعالك". بهذه الكلمات، تحوّل ترامب في لحظة واحدة من "الحليف الأبدي" إلى صوت يعبّر عمّا يقوله الملايين حول العالم ولكن لا يجرؤون على البوح به أمام إسرائيل مباشرة.
٣ · لبنان في القلب — القشة التي قصمت ظهر الصبر الأمريكي
لفهم هذا الانفجار، لا بد من فهم ما سبقه. جاء الاتصال على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، وسط مخاوف أمريكية من انهيار المسار الدبلوماسي مع إيران. واشنطن كانت تسعى بجهود محمومة لإبرام اتفاق دبلوماسي إقليمي معقد يشمل ملف إيران النووي، وكانت الساعات حرجة والمفاوضات على المحك. عبّر ترامب عن غضب بالغ في وقت كانت فيه إيران تهدد بوقف مفاوضاتها مع واشنطن بسبب العمليات الإسرائيلية في لبنان. بمعنى آخر، كان نتنياهو يُشعل النار في بيت جاره بينما يحاول ترامب يائسًا إطفاء حريق آخر في الجوار. حذّر ترامب نتنياهو من أن استهداف بيروت سيؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل، وسيؤثر سلبًا في صورتها أمام الرأي العام العالمي. الحسابات الاستراتيجية الأمريكية ببساطة لم تعد تتحمل مزيدًا من المغامرات الإسرائيلية غير المنسقة.
٤ · نكران الجميل — الاتهام الأشد إيلامًا في قاموس ترامب
من يعرف ترامب جيدًا يدرك أن "نكران الجميل" في قاموسه هو أكبر الجرائم السياسية وأشدها وطأة على الإطلاق. وصف ترامب نتنياهو بـ"نكران الجميل"، في إشارة إلى الدعم الذي قدمه له سابقًا خلال محاكمته بتهم الفساد، وحذّر من أن استهداف بيروت سيعمق عزلة إسرائيل دوليًا. هذا الاتهام يفتح بابًا خطيرًا في قراءة العلاقة بين الرجلين؛ إذ يكشف أن ترامب كان يرى نفسه شريكًا شخصيًا في إنقاذ نتنياهو السياسي، وأن ما كان يبدو تحالفًا إيديولوجيًا بين الرجلين كان يقوم في جزء منه على معادلة "أنا أدعمك وأنت تلتزم بحدود المشترك". وفي مساء نفس اليوم، نشر ترامب تدوينة على منصة "تروث سوشيال" عقب المكالمة، أكد فيها أنه أجرى "محادثة جيدة جدًا" مع نتنياهو — وهو ما يفضح ازدواجية المشهد بين الخطاب العام والحقيقة التي تجري خلف الكواليس.
٥ · الرد الإسرائيلي — عناد أم حسابات مختلفة؟
في مواجهة هذا الغضب الأمريكي غير المسبوق، كيف تصرّف الجانب الإسرائيلي؟ أكد مسؤول إسرائيلي أن تل أبيب لا تخطط حاليًا لضرب أهداف داخل بيروت، فيما أوضح نتنياهو في بيان لاحق أنه أبلغ ترامب بأن إسرائيل ستواصل عملياتها إذا استمرت هجمات حزب الله، مضيفًا "موقفنا لم يتغير". هذا الرد الإسرائيلي يحمل دلالة بالغة الأهمية: نتنياهو لم يتراجع علنًا ولم يُعلن الاستجابة لترامب، بل آثر صياغة دبلوماسية تبدو تهدئةً في الشكل دون تغيير في الجوهر. أشارت معاريف إلى أن الأزمة الحالية أعادت الجدل داخل إسرائيل بشأن أداء حكومة نتنياهو وطريقة إدارتها للملفات الأمنية والسياسية، في وقت تتواصل فيه الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة الإسرائيلية. نتنياهو إذن محاصر من كل الجهات: ضغط أمريكي غير مسبوق، وضغط داخلي متصاعد، وملف لبنان يشتعل في مواجهة حسابات سياسية تخصه هو شخصيًا قبل أن تخص الدولة.
٦ · ما وراء الصراخ — ماذا يعني هذا للشرق الأوسط كله؟
هذا الاتصال ليس مجرد خلاف بين شخصين، بل هو مؤشر زلزالي على تحولات عميقة في بنية التحالفات الدولية. حين يصرخ الراعي الأقوى لإسرائيل في وجه قائدها بهذه الحدة، فهذا يعني أن الشيك الأمريكي المفتوح الذي اعتادت إسرائيل الاتكاء عليه بدأ يُوضع له سقف وشروط. ترامب، الذي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وأبرم اتفاقيات أبراهام ووقف إلى جانب إسرائيل في كل محافل الأمم المتحدة، وصل إلى نقطة يرى فيها أن السياسات الإسرائيلية باتت تضر بمصالحه الإستراتيجية الشخصية قبل أن تضر بأي شيء آخر. والسؤال الذي يطرحه هذا المشهد على المنطقة بأسرها هو: إذا كان هذا هو حجم الخلاف بين أوثق الحلفاء فماذا تبقى من ثوابت لم تتزعزع؟ الجواب قد يكون مفصليًا في رسم ملامح الشرق الأوسط للسنوات القادمة.
💬 شاركنا رأيك: هل تعتقد أن هذا الاتصال يُمثّل تحولًا حقيقيًا في الموقف الأمريكي من إسرائيل، أم مجرد انفعال لحظي لا يُغيّر شيئًا على أرض الواقع؟
بقلم :
