صراع الإرادات: قراءة في المشهد السياسي للتصعيد الأميركي-الإيراني
صراع الإرادات: قراءة في المشهد السياسي للتصعيد الأميركي-الإيراني

بقلم: سياسي وباحث مخضرم في الشؤون الدولية
في مشهد سياسي وعسكري متصاعد، يعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسم حدود المواجهة مع إيران، محذراً من أن أي استمرار للانتهاكات الإيرانية لوقف إطلاق النار قد يدفع واشنطن إلى استئناف الحرب بشكل كامل. وما بين تهديدات ترامب على منصة "تروث سوشيال" والضربات الجوية الأميركية المتلاحقة، ثم الردود الإيرانية التي لا تقل حدة، يتكشف أمامنا مشهد سياسي معقد يعيد تعريف قواعد الاشتباك في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
ترامب يرفع سقف التهديد: "إيران ستزول من الوجود"
في فجر الأحد، كتب ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" تحذيراً غير مسبوق، قال فيه إن "لجوء أميركا مرة أخرى إلى الخيار العسكري يعني أن إيران ستزول من الوجود". وأضاف أن تصرفات إيران "قد تدفع واشنطن إلى التخلي عن التصرف بعقلانية". ولم تكن هذه التهديدات خطاباً عابراً، بل جاءت في سياق تصعيد عسكري ملموس، حيث أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع تخزين الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، بالإضافة إلى مواقع الرادار الساحلية.
ما يميز هذا التهديد هو صياغته الوجودية: لم يهدد ترامب بضرب أهداف محددة، بل تحدث عن "إكمال المهمة" التي تعني - في قراءته - زوال إيران ككيان قائم. وهذا يضع المشهد في سياق مختلف تماماً عن المواجهات السابقة، حيث يتحول الصراع من صراع على نفوذ أو برنامج نووي إلى صراع وجودي بامتياز.
الهدنة الهشة: اتفاق لم يولد بعد
تعود جذور الأزمة الراهنة إلى اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الذي توصّل إليه الطرفان قبل نحو أسبوعين، في محاولة لإنهاء صراع استمر أربعة أشهر. لكن ما يبدو واضحاً هو أن هذه الهدنة لم تكن قوية بما يكفي للصمود في وجه التحديات الميدانية، خصوصاً مع فشل الحرب في تحقيق أهدافها السياسية وعدم التوصل إلى اتفاق حاسم.
وتتخبط مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في غموض يسمح لكل طرف بتفسير بنودها وفقاً لمصالحه، وما يعتبره انتهاكاً يتعين الرد عليه. ففي الوقت الذي تتهم فيه واشنطن إيران باستهداف ناقلة نفط في مضيق هرمز، ترد طهران باتهام الولايات المتحدة بانتهاك "صارخ" لمذكرة التفاهم. هذا التبادل للاتهامات يعكس أزمة ثقة عميقة تجعل أي اتفاق مؤقت عرضة للانهيار في أي لحظة.
مضيق هرمز: ساحة المواجهة الأولى
يتصدر مضيق هرمز مجدداً مشهد التوتر الإقليمي، مع تصاعد الاحتكاك المباشر بين واشنطن وطهران. فاستهداف ناقلة النفط التي ترفع علم بنما بطائرة مسيرة إيرانية، أعقبه ضربات أميركية استهدفت منشآت إيرانية للمراقبة العسكرية والاتصالات والدفاع الجوي. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف قواعد أمريكية في الكويت والبحرين.
هذا التصعيد في المضيق ليس عابراً. فإيران تسعى إلى تأكيد سيطرتها على أهم ممر مائي لشحنات الطاقة في العالم، والذي أعيد فتحه خلال الأسبوعين الماضيين بعد تعطيله شهوراً. وفي المقابل، ترى واشنطن أن حرية الملاحة في المضيق خط أحمر لا يمكن التهاون فيه. وهكذا يصبح المضيق ساحة اختبار للإرادات، حيث كل طرف يحاول فرض قواعد اشتباك جديدة تخدم مصالحه الاستراتيجية.
إيران: الرد الدفاعي والتمسك بالسيادة
من جانبها، تتبنى إيران خطاباً دفاعياً حازماً. فأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن القوات المسلحة نفّذت "ضربات دفاعية" ضد أهداف مرتبطة بالقوات الأمريكية، مشددة على حق طهران الأصيل في الدفاع عن نفسها وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وحذّرت طهران دول الساحل الجنوبي للخليج من السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران.
وفي خطاب تصعيدي، كتب إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، على منصة إكس: "لقد أظهر الرئيس الأمريكي الفاشل عدم التزامه بمبدأ التفاوض أو وقف إطلاق النار". وحذر من أن "هذا الخرق المتهور لوقف إطلاق النار، كالعادة، سيؤدي إلى تراجعهم وندمهم".

لبنان: جبهة ثانية تعقّد المشهد
لا يمكن قراءة المشهد السياسي الأميركي-الإيراني بمعزل عن جبهة لبنان. فاتهمت إيران الولايات المتحدة بانتهاك الاتفاق المؤقت، وتحديداً بعدم الالتزام بالتعهد بوقف إطلاق النار في لبنان الذي اجتاحته إسرائيل لملاحقة جماعة حزب الله المدعومة من طهران.
ورغم الاتفاقات المتكررة على وقف إطلاق النار بوساطة أميركية، فإن هذه الاتفاقات لم يكن لها تأثير محدود، إذ تصر إسرائيل على عدم الانسحاب من أراض سيطرت عليها، في حين يصر حزب الله على رفض الدعوات إلى تسليم أسلحته. وهذا الجمود في لبنان يغذي التوتر على الجبهة الإيرانية، ويزيد من تعقيد أي مسعى للتهدئة.
قراءة استراتيجية: مأزق الجميع
من منظور سياسي مخضرم، يمكن قراءة المشهد الراهن على النحو التالي:
أولاً: الولايات المتحدة تجد نفسها في مأزق حقيقي. فالحرب مع إيران لا تحظى بشعبية، وترامب بحاجة إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة البحرية، لكنه في الوقت نفسه لا يملك مخرجاً سهلاً من مستنقع التصعيد. تهديداته الوجودية قد تكون ورقة تفاوضية لإجبار إيران على تقديم تنازلات، لكنها تحمل في طياتها مخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة لا يريدها أحد.
ثانياً: إيران تدرك جيداً أن استمرار التصعيد يُكلفها ثمناً باهظاً، لكنها تراهن على أن واشنطن غير مستعدة لحرب طويلة الأمد. لذلك تواصل سياسة الرد المتناسب، محاولة رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون نهايتها مجهولة.
ثالثاً: دول المنطقة، وخصوصاً الكويت والبحرين، تجد نفسها في موقف بالغ الحساسية. فهي مضطرة للتعامل مع الوجود العسكري الأميركي على أراضيها، وفي الوقت نفسه تدرك أن أي تصعيد قد يجعلها هدفاً للصواريخ الإيرانية.
خاتمة: هل من مخرج؟
المشهد السياسي الراهن يحمل في طياته مخاطر جسيمة. فالتصعيد العسكري المتبادل، والتهديدات الوجودية، وتعقيدات الملف اللبناني، كلها عوامل تدفع نحو مزيد من التوتر. ورغم الجهود الدبلوماسية، تبدو الهدنة الأمريكية-الإيرانية هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة.
ربما يكون المخرج الوحيد هو العودة إلى طاولة المفاوضات الجادة، بعيداً عن لغة التهديد والاتهامات المتبادلة. لكن في ظل غياب الثقة، وتعدد الأطراف المتورطة في الصراع، يبدو هذا المخرج بعيد المنال. تبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان الشرق الأوسط على وشك مواجهة جديدة، أم أن الحكمة ستنتصر على نزعات التصعيد.