مصر تهرب من الدولار!
مصر تهرب من الدولار!

- الجنيه يشقّ طريقه بعيدًا عن ظلّ الدولار
في مشهدٍ كان يبدو حتى وقتٍ قريب أشبه بالمستحيل، باتت مصر تتحرك بخطواتٍ واثقة نحو تقليص هيمنة الدولار الأمريكي على تعاملاتها التجارية والمالية الدولية. فعلى مدار الأشهر الأخيرة، أعلن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن البنك المركزي المصري يعكف على توسيع نطاق اتفاقيات تسوية المعاملات المالية مع عدد من الدول الشريكة، وهو توجهٌ يُجسّد تحولًا استراتيجيًا عميقًا في بنية الاقتصاد الوطني. لم يعد الأمر مجرد تصريحاتٍ دبلوماسية أو وعودٍ انتخابية؛ بل تُرجم هذا التوجه إلى اتفاقياتٍ موقّعة ومذكراتِ تفاهمٍ فعلية، في مقدمتها تمديد اتفاقية مقايضة العملات الثنائية بين البنك المركزي المصري ونظيره الصيني لثلاث سنواتٍ إضافية مع رفعٍ ملحوظ في قيمة التسهيلات، وهي اتفاقيةٌ تُجسّد عمق الشراكة الاقتصادية بين البلدين في عامٍ يحتفلان فيه معًا بمرور سبعين عامًا على تأسيس علاقاتهما الدبلوماسية.
- الصين الشريك الأكبر.. واليوان يقتحم السوق المصرية
تحتلّ الصين مكانةً محوريةً في مسيرة "تحرير الجنيه"، إذ تُعدّ من أكبر الشركاء التنمويين لمصر، وتستهدف الحكومة المصرية رفع ترتيبها في قائمة الدول المستثمرة بالسوق المصرية. وفي هذا الإطار، شهد البلدان توقيع ثلاث مذكراتِ تفاهم لتعزيز التعاون، كان أبرزها اتفاقٌ بين بنك قناة السويس وشركة "CIPS" الصينية المشغّلة لنظام المدفوعات العابرة للحدود، بهدف دعم استخدام اليوان الصيني في منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين. كما وقّعت شركة "UnionPay" الصينية بروتوكول تعاون مع شركة بنوك مصر للتقدم التكنولوجي لتوسيع نطاق الدفع الإلكتروني، فيما أعلنت مصر السماح للشركات الصينية باستخدام اليوان في تعاملاتها المالية، وهو ما يُشير إلى أن الأمر تجاوز مرحلة النوايا إلى التطبيق الفعلي على أرض الواقع.
- البريكس والحلفاء الجدد — مصر تُعيد توازن تحالفاتها النقدية
لا تقتصر هذه المساعي على الشريك الصيني وحده؛ إذ تجري مصر مفاوضاتٍ لتوسيع التعاملات بالعملات المحلية ضمن منظومة دول البريكس التي أصبحت عضوًا فيها. وتُؤكد الخبيرة المصرفية سهر الدماطي، نائبة رئيس بنك مصر الأسبق، أن فكرة البريكس تقوم أساسًا على كسر هيمنة القطب الواحد، والدفع نحو الاعتراف بالعملات المحلية عبر أدوات بديلة كبنك التنمية الجديد وأنظمة تسوية مالية تُنافس شبكة سويفت. وفي هذا السياق، تتفاوض مصر أيضًا على إبرام اتفاقياتٍ مماثلة مع كلٍّ من السعودية وتركيا، في مسارٍ يُؤسس لشبكة مالية إقليمية متكاملة تُلاحق استقلاليةً نقدية أوسع، بعيدًا عن تقلبات السياسة النقدية الأمريكية التي طالما انعكست بآثارٍ حادة على الاقتصادات الناشئة.
- ماذا يكسب الجنيه المصري من هذه المعادلة؟
يتساءل كثيرٌ من المواطنين والمستثمرين: هل يُؤثّر هذا التحول فعلًا في حياتهم اليومية، أم أنه مجرد ألعابٍ دبلوماسية في الكواليس؟ الإجابة المباشرة: نعم، الأثر حقيقي ومُباشر. فتقليص الاعتماد على الدولار في تسوية الواردات والصادرات يعني تراجع الطلب المحموم على العملة الأمريكية، مما يُخفف الضغط عن الجنيه المصري ويُقلّص الفجوة الدولارية التي طالما شكّلت أزمةً متكررة. فضلًا عن ذلك، ستُتيح هذه الاتفاقيات تسهيل نفاذ الصادرات المصرية — من منسوجاتٍ ومنتجاتٍ زراعية — إلى أسواق الشركاء بعملاتهم المحلية مباشرةً، مما يفتح أمام المُصدّر المصري آفاقًا تسويقية كانت محجوبةً سابقًا بعقبات الصرف الأجنبي. الصورة ليست وردية بالكامل، لكن الاتجاه واضح: الجنيه يُحاول استرداد بعض سيادته الاقتصادية.
- أفريقيا كلها تتحرك — موجة إقليمية لا يمكن تجاهلها
ما تفعله مصر ليس استثناءً، بل هو جزءٌ من موجةٍ إقليمية وقارية أوسع تجتاح الاقتصادات الناشئة. فقد أبرمت الإمارات اتفاقاتٍ لتسوية معاملاتها التجارية مع الهند بالعملات المحلية، فيما يسعى البنك الأفريقي للاستيراد والتصدير، بتوجيهاتٍ من الاتحاد الأفريقي، إلى تفعيل المعاملات التجارية بين ٤٢ عملةً أفريقية عبر منصة التسويات والمقاصة PAPSS بتطوير آلياتٍ لسعر الصرف تجعل هذه العملات قابلةً للتحويل المتبادل. هذا التحول الجماعي يعكس قناعةً متراكمة بأن النظام المالي العالمي المبني على الدولار لم يعد يخدم مصالح الجنوب العالمي، وأن الاعتماد عليه حصريًا يجعل الاقتصادات الناشئة رهينةً لقرارات الفيدرالي الأمريكي أكثر من ارتباطها بواقعها الاقتصادي الحقيقي.
- الفقرة السادسة: الرهان الكبير — هل تنجح مصر في كسر قيد الدولار؟
الطريق ليس مفروشًا بالورود، والتحديات جسيمة. فاليوان الصيني لا يزال بعيدًا عن مكانة عملةٍ دولية احتياطية بالمعنى الكامل، والأسواق العالمية لا تزال تُسعّر سلع الطاقة والغذاء والمعادن بالدولار. لكن الفارق الآن هو أن مصر — ومعها تكتلٌ متنامٍ من الاقتصادات الناشئة — لم تعد تنتظر إذنًا من النظام القائم لكي تُعيد تشكيل قواعد اللعبة. التسوية بالعملات المحلية، وربط أنظمة المدفوعات، وإصدار سنداتٍ بعملاتٍ غير الدولار — كلها أدواتٌ تُراكم بصبرٍ مسار استقلاليةٍ نقدية حقيقية. الرهان الكبير: إذا نجحت هذه الاتفاقيات في الوصول إلى حجمٍ نقدي ضخم وتجارة تبادلية حقيقية، فإن مصر ستكون قد كتبت فصلًا جديدًا في تاريخها الاقتصادي، وأثبتت أن الهروب من قيد الدولار ليس حلمًا ثوريًا، بل خيارٌ استراتيجيٌّ قابلٌ للتنفيذ.
بقلم :
