إيران: انهيار التفاوض وصراع الجوائز المفقودة

إيران: انهيار التفاوض وصراع الجوائز المفقودة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

إذا كان التفاوض قد تعطل أو انهار بين الفرقاء في الحرب على إيران ووصل إلى طريق مسدود، فالسبب لم يكن نتاج سوء تفاهم، بل لتجاهل نظرية التفاوض الحرج؛ حيث سعت الأطراف لفرض إملاءات بدلاً من معالجة اختلالات القوة الهيكلية، وغياب فن السياسة في أبسط صوره، بأن تقدم تنازلاً راغباً قبل أن تضطر إليه مرغماً، وأن تفعل اليوم ما سيكون أقل كلفة مما ستفعله غداً.

ما بين المبادرات ومسودات الردود التي تتناثر أخبارها لحلحة الموقف المتأزم، يظل مضيق هرمز الذي لم يكن أصلاً ضمن أسباب الصراع هو القضية الأكثر خطورة، وورقة التفاوض الأقوى، التي نجحت طهران بفرضها على طاولة المفاوضات، مستغلة حجم الخسائر التي تقدر بمليارات الدولارات للاقتصاد العالمي بسبب اغلاق المضيق ما دفع المتضررين، إلى المطالبة بحل دبلوماسي سريع لفتح طريق إمدادات النفط قبل أو بدون الاتفاق على الملفات المتعثرة الأخرى، سواء النووي أو الباليستي.

image about إيران: انهيار التفاوض وصراع الجوائز المفقودة
 

الآن يمكن ملاحظة من له اليد العليا في عملية التفاوض، واشنطن تحاول لملمة أوراقها بحثاً عن النصر، لكن الوقائع تشير إلى أن حتى تلك الأوراق يجب أن تمر عبر طهران أولاً. فمحاولات فتح المضيق تحت حماية البحرية الأمريكية، لأسباب إنسانية وأخلاقية كما قال الرئيس دونالد ترامب، لم تسفر سوى عن عبور سفينتين. الرئيس الفرنسي أكد أن فتح المضيق لن يتم سوى بالطرق الدبلوماسية، وفعلياً هذا منطق لأبعد الحدود بحكم الجغرافيا، وسهولة إعاقة حركة المرور من جانب إيران بأقل التكلفة وبأبسط الوسائل.

وللحقيقة ليس هذا نابعاً من قوة طهران، بقدر ما هو ارتباك من الإدارة الأمريكية التي ما زالت تدير المشهد بعقلية الصفقة التجارية في بورصة الأوراق المالية، وليس بمقاييس السياسة بتعقيداتها الجغرافية والتاريخية.

إذا كانت لغة السياسة قد تعطلت، أو أُريد لها ذلك على الأقل من جانب البعض الذي يريد نهاية حاسمة لحكم الملالي؛ فبطبيعة الأمور سيصبح التصعيد العسكري بمخاطره هو البديل المتاح للخروج من حالة الانسداد السياسي، سعياً لتغيير قواعد اللعبة والعودة مجدداً إلى طاولة التفاوض، وفي هذه الحالة فإن خيارات التصعيد المحتملة ستنحصر في المسارات التالية:

أولاً: الإنزال البري.. هذا هو الخيار الأكثر حسماً، لكنه أيضاً الأعلى كلفة بشرياً وعسكرياً وربما الأبعد حدوثاً؛ وبعيداً عن الدخول في النواحي العسكرية واللوجيستية المتروكة للمتخصصين، فتبعات هذا الخيار لن يتحملها الشعب الأمريكي، وهو الذي تابع بالأمس القريب الإدارة وهي تحشد 155 طائرة حربية وتخاطر بمئات الجنود من النخبة لإنقاذ طيار واحد فقط في جبال إيران.

ثانياً: عملية عسكرية محدودة.. ستكون على الأغلب بواسطة الكوماندوس لتحقيق أهداف سريعة مثل فتح مضيق هرمز، الحصول على 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، أو الاستيلاء على جزيرة خرج كجائزة سريعة تضمن لترامب انتصاراً نفسياً على الأقل أمام منتقديه. لكن حتى هذه العمليات غير مضمونة النتائج، إذ يدعي الإيرانيون أن اليورانيوم قد دُفن على عمق يزيد عن 100 متر تحت سطح الأرض. واحتلال الجزيرة سيجعل من القوات الأمريكية عليها هدفاً سهلاً للمدفعية والصواريخ والمسيرات الإيرانية، الأمر نفسه ينطبق على تأمين هرمز انطلاقاً من الأراضي الإيرانية… في هذه الحالة ستتحول الجائزة إلى مقامرة وربما مقبرة لطموحات الرئيس الأمريكي.

ثالثاً: دعم الأكراد.. هذا المسار تحديداً مثقل بإرث تاريخي معقد يغلب عليه البؤس مع الإدارات الأمريكية بمختلف توجهاتها؛ فالعلاقات تتسم بنمط متكرر من التحالفات التكتيكية التي تنتهي بخيانة أو تخلي واشنطن عن الأكراد. ففي أوائل السبعينيات من القرن الماضي، قدمت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً ومالياً سرياً للملا مصطفى البارزاني لمواجهة الحكومة العراقية، وكانت لحظة الخداع في عام 1975، حين عقد شاه إيران اتفاقاً مفاجئاً مع صدام حسين في الجزائر لتبادل السيادة على شط العرب مقابل وقف الدعم للأكراد، والنتيجة: توقفت المساعدات الأمريكية فوراً. وكان تبرير هنري كيسنجر عن وقف الدعم، بجملته الشهيرة التي لخصت براغماتية واشنطن: العمليات السرية لا ينبغي الخلط بينها وبين العمل الخيري.

رابعاً: تصعيد القصف الجوي.. الحرب التي استمرت ٤٠ يوما، كلفت حتى الآن - طبقاً لوسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية - أكثر من ثلثي مخزونها من الصواريخ الباليستية والذخيرة الذكية، بالإضافة الي ما يزيد عن 25 مليار دولار تبعا لما ذكره موقع "اكسيوس".. والنتيجة المؤكدة تقول، "لا يمكن إسقاط أي نظام سياسي بالقصف الجوي فقط". أي أن إعادة الهجوم يمثل استنزافاً إضافياً للولايات المتحدة دون أفق للحسم.

في المحصلة، فإن التصعيد الوحيد والمتاح بالنسبة لواشنطن يظل محصوراً في تزايد وتيرة الضربات الجوية، وفي هذه الحالة يمكن وصفها بأنها ضربات من أجل الضربات فقط لن تحقق أي طفرة أو نتائج غير متوقعة. والحاصل أن كلاً من الطرفين الأمريكي والإيراني يطارد جائزة مغايرة؛ فبينما يلهث ترامب خلف صورة نصر سريعة لتعزيز موقفه الانتخابي، تكتفي طهران بجائزة البقاء واستنزاف الوقت. أما القفز فوق نظرية التفاوض والهروب نحو الحروب الهجينة ليس إلا تأجيلاً للانفجار الكبير. ويبقى المخرج الوحيد الآمن وسط هذه التداعيات الضبابية هو العودة لطاولة "التفاوض الحرج" التي تضمن استقراراً حقيقياً يوازن المصالح ويعالج اختلالات القوة الهيكلية؛ ففي صراع الإرادات هذا، من يقدم تنازلاً راغباً اليوم بذكاء، يحمي نفسه من تقديم تنازلات مرغمة غداً بأثمان لا يمكن التنبؤ بها.


 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
معتز ابو سمرة صحفي تقييم 4.98 من 5.
المقالات

9

متابعهم

23

متابعهم

23

مقالات مشابة
-