قمة بكين: صدام محتمل مع عملاق أعرج
لم يذكر لنا التاريخ وجود تعاون وصداقة بين قوتين عظميين تتربعان على قمة النظام العالمي، بل صراعاً بالأدوات الاقتصادية والسياسية على مناطق النفوذ. وما حدث في قمة بكين لم يكن استثناءً، بل استكمالاً لنفس السيناريو، الذي يتمثل في إدارة الخلاف قبل أن يتحول إلى صدام يصعب السيطرة عليه.
في القمة كانت هناك إشارات حاسمة لا يمكن تجاوزها. الأولى كانت في إجابة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رداً على أحد الصحفيين بشأن موقفه من ملف تايوان، قائلاً: “الصين جميلة”، وكان من الواضح أنه تجنب منح أي أمل بتغيير الموقف الأمريكي قبل الحصول على “شيء ما” في المقابل.

أما الثانية، فجاءت على لسان الرئيس الصيني شي جين بينغ، حين قال، في حضور ترامب، إنه إذا لم يتم التعامل مع قضية تايوان بشكل جيد، فسوف تصطدم البلدان أو تدخلان في صراع، مما سيدفع العلاقات الصينية الأمريكية إلى “مكان خطير للغاية”. وهو تهديد غير مسبوق تلقاه ترامب امام عدسات المصورين وتليفزيونات العالم.
والثالثة، فهي مدة اجتماع القمة الأول، الذي لم يستغرق سوى أقل من 90 دقيقة، رغم أن المقرر له كان ساعتين.
هذه الإشارات هي التي عجلت ببيان أصدره البيت الأبيض، ذكر فيه أنه تم الاتفاق على بقاء مضيق هرمز مفتوحاً للملاحة، لكنه لم يكشف بأي طرق أو على أي أساس، كما أكد اتفاق الطرفين على عدم حصول إيران على سلاح نووي أبداً… وهذا لم يصدر بشأنه أي تأكيد صيني رسمي! وكأن ترامب يريد الاستباق بإعلان تقدم، بغض النظر عن حدوثه من عدمه.
إذن، النتيجة البارزة من القمة هي: لا اختراق حقيقياً في القضايا الأساسية، وما تبقي مؤجل لحين إشعار آخر.
بالنسبة للملف الإيراني، فبكين لديها نفوذ قوي على طهران، وهي تقدم لها دعماً سياسياً وعسكرياً. لكن من وجهة نظرها، فالحرب ليست سوى حلقة أمريكية أخرى لكبح جماح نمو الصين الاقتصادي، المستفيد من الأسعار التفضيلية لنفط فنزويلا، الذي انقطع أو كاد بعد اعتقال رئيسها، وإيران التي تحاصرها البحرية الأمريكية.
بالتالي يصبح السؤال: لماذا تساعد بكين الولايات المتحدة في مسرح، بينما تواصل واشنطن الضغط عليها في مسرح آخر، إلا إذا كان المقابل مغرياً؟ وبالنسبة لها، لم يتحقق هذا المقابل في “تايوان”.
أيضاً، وطبقاً لاستراتيجية بكين التي ترفض التدخل العسكري في أي نزاع، فإن الحروب التي يصنعها الآخرون يجب أن تُحل من قبلهم هم فقط، وبالتالي من غير المرجح أن تقوم بكين بـ”تسليم” إيران لواشنطن، ليس فقط لأنها غير راغبة، بل لأنها ترفض أن تتحول من قوة عظمى إلى مجرد شريك ضمن نظام إقليمي تابع للولايات المتحدة. وعلى كل حال، فإن الاختبار الحقيقي لموقف الصين سيكون في مجلس الأمن عند إعادة مناقشة قرار يسمح باستخدام القوة لفتح مضيق هرمز.
ما خرج به ترامب من القمة كان مجرد صفقة شراء (طائرات بوينج وفول الصويا) لإرضاء قاعدته الانتخابية، أما الاتفاقيات بشأن “أمن الذكاء الاصطناعي” أو “التواصل العسكري”، فهي يمكن وصفها بأنها مجرد آليات لتقليل مخاطر التصادم غير المقصود، وليست إنهاءً للتنافس الاستراتيجي.
صحيح أن بينغ يحتاج إلى الاستقرار الاقتصادي الداخلي، بسبب أزمة العقارات وضعف الاستهلاك، لكنه يدرك أن ترامب قد يغير موقفه بتغريدة واحدة أو بقرار مفاجئ، كما حدث في ولايته الأولى، مما جعل بكين تتحرك بحذر شديد، ولا تقدم تنازلات سيادية مقابل وعود تجارية.
لكن لماذا دخل ترامب إلى الصين وغادر وهو شبه خالي الوفاض؟ في الحقيقة، أثبتت الأحداث أن أخطاء ترامب وفريقه أضعفت، إلى حد ما، موقف الولايات المتحدة دولياً.
قبل خمسة عشر شهراً، ومع عودة ترامب، أقنعه مستشاروه بأن الرسوم الجمركية الشاملة على بكين ستجعلها تقدم تنازلات تعيد الميزان التجاري لصالح واشنطن.
وسرعان ما تراجع ترامب، مؤجلاً الخطوة، لكن مع تصاعد تداعيات الحرب الإيرانية، ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، ما تسبب، إلى جانب الرسوم الجمركية، في توتر العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين. وازدادت الأزمة عمقاً مع فقدان دول الخليج الثقة في الحماية الأمريكية، بعد أن طالتها الهجمات الإيرانية.
وداخلياً، قفز معدل التضخم في الولايات المتحدة بنسبة 3.8% على أساس سنوي في أبريل، وهو أعلى معدل خلال ثلاث سنوات، فيما اقترب الدين الوطني الأمريكي من 40 تريليون دولار. وأظهر استطلاع حديث أجرته قناة فوكس نيوز، الداعمة لترامب، أن 70% يعتقدون أن الاقتصاد يزداد سوءاً، ليصل التشاؤم إلى مستوى قياسي منذ عام 2023.
وسائل الإعلام الصينية، التي تمثل مرآة لنظرة بكين للقمة، قالت إن ترامب، وليس شي جين بينغ، هو من قطع أكثر من سبع ساعات طيران ووصل إلى بكين بحثاً عن اتفاق تجاري. أما صحيفة جلوبال تايمز الحكومية الصينية، فقد وصفت زيارة ترامب بأنه جاء إلى بكين كأنه “عملاق يعرج”.
وما ذكره الإعلام الصيني هو انعكاس لنقاط القوة لدى بكين، التي من أهمها أن الاقتصاد الأمريكي يعتمد، إلى حد كبير، على المصادر الصينية للسلع الحيوية، مثل مخزونات الأدوية، والرقائق الإلكترونية الرخيصة، والمعادن الأساسية. لذلك، كانت التقارير التي تؤكد أن ترامب على وشك فرض إرادته على الصين في القمة غير دقيقة، أو أقرب إلى نكتة سياسية غير جيدة.
لكن هذا لا يعني أن القمة بلا معنى، بل يعني أن الاجتماع يجب أن يُحكم عليه بمعيار مختلف، غير النجاح أو الفشل، يستند إلى مفاهيم تفرضها موازين القوة التي تتفاعل على الساحة الدولية.
ففي السابق، كان أحد أسباب نجاح زيارة نيكسون للصين أن كلا الجانبين كانا واقعيين بشأن اختلافاتهما. فلم يدّعِ بيان شنغهاي أن البلدين ينظران إلى العالم بالطريقة نفسها، بل سجل خلافاتهما علناً، مع إنشاء إطار للتعايش.
أما الآن، فالعلاقة بين الطرفين هي صراع يصعب حله بحكم طبيعة التنافس التاريخي القائم بين أي قوتين عظميين. وتكاليف خروج هذا الصراع عن السيطرة باهظة للغاية وغير محتملة. لذلك، فإن الهدف الواقعي لم يعد التقارب أو المصالحة، بل ضبط إيقاع التنافس قبل أن ينزلق إلى صدام غير قابل للإدارة.