عاجل: تحذيرات أميركية من فظائع وشيكة وغموض يلف مصير حميدتي
تتسارع وتيرة التطورات الميدانية والسياسية في المشهد السوداني وسط تحذيرات أميركية ودولية شديدة اللهجة من انزلاق البلاد نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة، بالتزامن مع الحشود العسكرية المتزايدة حول مدينة الأبيض الاستراتيجية. وتترافق هذه التحركات الميدانية المقلقة مع تزايد التكهنات والسيناريوهات المتضاربة حول مصير حميدتي، قائد قوات الدعم السريع، ومدى قدرته الفعلية على إدارة العمليات العسكرية وتوجيه قواته على الأرض، في ظل صراع طاحن يعصف بالبلاد ويهدد استقرار المنطقة بأسرها.
ماذا وراء التحذيرات الأميركية من كارثة مدينة الأبيض؟
أطلقت الإدارة الأميركية جرس إنذار عالي النبرة إزاء التدهور الأمني المتسارع في ولاية شمال كردفان، معربة عن قلقها البالغ من مؤشرات ميدانية تدل على احتمال وقوع فظائع جماعية وشيكة. وتأتي هذه المخاوف في أعقاب رصد تعزيزات عسكرية ضخمة لقوات الدعم السريع تضرب طوقا محكما حول مدينة الأبيض، التي تمثل شريانا حيويا ومركزا تجاريا وعسكريا يربط بين ولايات دارفور ومناطق سيطرة الجيش في شرق ووسط السودان.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن أي هجوم واسع النطاق على المدينة، التي تأوي مئات الآلاف من السكان والنازحين الفارين من ويلات المعارك في مناطق أخرى، قد يؤدي إلى تكرار السيناريوهات المأساوية التي شهدتها مدن سودانية عدة. وقد دفعت هذه التطورات الخطيرة واشنطن إلى مطالبة الأطراف المتصارعة بضرورة الكف الفوري عن أي تحركات عسكرية من شأنها تعريض حياة الأبرياء للخطر، أو إعاقة وصول قوافل الإغاثة الإنسانية التي تمثل طوق النجاة الوحيد لآلاف الأسر المحاصرة التي تعاني من نقص حاد في الغذاء والدواء.
ولم يقتصر القلق على الجانب الأميركي فحسب، بل امتد ليشمل أروقة الأمم المتحدة، حيث حذر مجلس الأمن الدولي من التداعيات الكارثية للتصعيد العسكري في المنطقة. وتكثفت الاتصالات الدبلوماسية في محاولة لتهدئة الأوضاع، وتجنب تفاقم الأزمة الإنسانية المتردية أصلا، وسط دعوات متكررة لاحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وتأمين ممرات آمنة للمدنيين، وتجنيب البنية التحتية المتبقية مزيدا من الدمار.
الغموض يكتنف مصير حميدتي وسط تضارب الروايات
في موازاة التصعيد الميداني والتحذيرات الدولية، يبرز تساؤل جوهري يلقي بظلاله الكثيفة على مسار الصراع برمته، ويتعلق بالوضع الحالي للقيادة المركزية لقوات الدعم السريع. فقد تحول مصير حميدتي إلى لغز محير تتنازعه ثلاث سرديات رئيسية، تعكس كل منها زاوية مختلفة لقراءة المشهد الداخلي المعقد، وتطرح تساؤلات حول تماسك بنية القوات على الأرض.
تتبنى الآلة الإعلامية التابعة للدعم السريع سردية تؤكد أن قائدها يمارس مهامه بشكل طبيعي ويدير العمليات من داخل الأراضي السودانية، مبررة ندرة ظهوره العلني بدواع أمنية وتكتيكية بحتة. غير أن هذه الرواية تواجه تشكيكا واسعا من قبل المراقبين، خاصة مع الاعتماد المتكرر على تسجيلات صوتية أو مقاطع مصورة يرجح خبراء تقنيون أنها خضعت لمعالجات متقدمة، مما يضعف من مصداقيتها أمام الرأي العام ويغذي الشائعات حول حقيقة وضعه.
في المقابل، تروج أوساط شعبية وسياسية لسردية مناقضة تماما، تفيد بأن قائد الدعم السريع قد لقي حتفه خلال الأسابيع الأولى من اندلاع المواجهات إثر غارة جوية دقيقة استهدفت موكبه في العاصمة. وتستند هذه الفرضية إلى غيابه التام عن أي تفاعل حي ومباشر مع الأحداث الجارية، فضلا عن تصريحات سابقة لمسؤولين دبلوماسيين أكدوا فيها هذه الرواية بثقة، رغم غياب الدليل المادي القاطع الذي يحسم الجدل بشكل نهائي.
سيناريو العجز القيادي وفقدان السيطرة الميدانية
بين فرضيتي الحياة الطبيعية والموت المؤكد، تبرز سردية ثالثة تبدو أكثر واقعية ومقبولية لدى شريحة واسعة من المحللين والمراقبين المحايدين. ترجح هذه القراءة أن يكون مصير حميدتي معلقا بين الحياة والعجز، حيث يُعتقد أنه يعاني من وضع صحي حرج أو إصابات بالغة تمنعه من ممارسة دوره القيادي المعتاد. ووفقا لهذه الرؤية، فإنه يتنقل بحذر شديد وسط إجراءات أمنية معقدة بين قواعد خلفية وعواصم إقليمية، تاركا الإدارة الميدانية المباشرة للعمليات العسكرية لقيادات بديلة.
وما يعزز هذه الفرضية بقوة هو توالي الانشقاقات في صفوف القيادات الميدانية البارزة خلال الآونة الأخيرة. فقد كشفت إفادات حديثة لقادة ميدانيين منشقين عن تفاصيل مثيرة حول كواليس اتخاذ القرار داخل أروقة القوات، مشيرين بوضوح إلى أن القيادة المركزية فقدت السيطرة الفعلية على مجريات المعارك وتوجيه المقاتلين. وذكرت تقارير استندت إلى شهادات هؤلاء المنشقين أن القرارات الاستراتيجية باتت تخضع لتأثيرات وإملاءات خارجية، مما يفسر حالة التخبط والعشوائية في بعض التحركات العسكرية على الأرض، وتزايد الانتهاكات نتيجة غياب المحاسبة والسيطرة المركزية الصارمة.
مساعي التهدئة وفرص العودة إلى طاولة المفاوضات
أمام هذا المشهد البالغ التعقيد الذي تتداخل فيه الأزمات الإنسانية الطاحنة مع ضبابية القيادة العسكرية، تكثف الولايات المتحدة والجهات الفاعلة دوليا ضغوطها الدبلوماسية لدفع الأطراف نحو تسوية تفاوضية شاملة. وتؤكد واشنطن في بياناتها المتلاحقة على غياب أي أفق للحل العسكري الحاسم، مشددة على ضرورة الانخراط في حوار جاد ومسؤول دون شروط مسبقة لإنهاء دوامة العنف التي أنهكت مقدرات البلاد ودمرت اقتصادها.
وتسعى المبادرات الدبلوماسية الحالية، المدعومة بجهود المبعوثين الدوليين، إلى تذليل العقبات التي تعترض مسار السلام، مع التركيز على أولويات ملحة تتمثل في إقرار هدنة إنسانية مستدامة، وتسهيل وصول المساعدات الإغاثية للمتضررين في كافة مناطق النزاع دون تمييز. وتتزامن هذه الجهود مع تحركات إقليمية حثيثة تهدف إلى توحيد الرؤى والمواقف لتشكيل جبهة ضغط موحدة تلزم الأطراف المتصارعة بالاحتكام إلى صوت العقل، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الضيقة.
تتجه الأوضاع الميدانية والسياسية في السودان نحو مفترق طرق حاسم قد يعيد رسم الخارطة الأمنية والاجتماعية للبلاد خلال المرحلة المقبلة. ومع استمرار الضغوط الدولية لتطويق بؤر التوتر وتجنب سيناريوهات الفوضى الشاملة والانقسام، تبقى التساؤلات مفتوحة حول مدى استجابة الأطراف الفاعلة لدعوات التهدئة، في ظل تعقيدات المشهد العسكري والغموض الذي يحيط بهيكلية القيادة وتأثيرها المباشر على فرص إحلال السلام والاستقرار المستدام.
