من يدفع الشرق الأوسط إلى الانفجار؟ وهل أصبحت مصر الهدف التالي؟
من يدفع الشرق الأوسط إلى الانفجار؟ وهل أصبحت مصر الهدف التالي؟

مغامرة الحرب في الشرق الأوسط لم تعد مواجهات بعيدة تتابعها الشعوب عبر شاشات التلفزيون ومع اتساع دائرة التصعيد و تداعياته إلى الممرات البحرية والمنشآت الحيوية
أصبحت مصر أمام واقع جديد يفرض أسئلة مهمة حول الأمن القومي المصري وإمكانية اتساع دائرة الحرب.
في الحروب غالبا لا يكفي أن نسأل: من أطلق الصاروخ؟ بل يجب أن تجد اجابة سريعة للسؤال الأهم : من المستفيد من استمرار التصعيد واتساع دائرة المواجهة؟
المشهد يزداد تعقيدًا خلال الأيام الأخيرة بعدما امتدت التوترات إلى مناطق متعددة . وأصبحت الملاحة والطاقة والمنشآت الحيوية جزءًا من الحسابات العسكرية
وفي تطور شديد الحساسية بالنسبة إلى مصر أكدت السلطات المصرية أن طائرة مسيّرة تسببت في اندلاع حريق طال سفينتي غاز في ميناء دمياط يوم 29 يوليو 2026، بينما لم تعلن السلطات المصرية مسؤولية جهة محددة عن الهجوم حتى الآن. ولم يتبنى احد الهجوم ايضا .
وهنا تزداد أهمية السؤال: هل أصبحت مصر التى تتبنى تهدئة الحرب ودور الوسيط بعد التصعيد قد يسحبها إلى الاقتراب من قلب الصراع؟
لماذا يمثل دخول مصر إلى دائرة الصراع خطرًا على المنطقة؟
مصر ليست دولة هامشية في المعادلة فموقعها بين البحر المتوسط والبحر الأحمر و قناة السويس أحد أهم طرق التجارة والملاحة العالمية.
ولذلك فإن أي اضطراب أمني واسع في محيط مصر يمكن أن ينعكس على حركة التجارة والطاقة والاستثمار والسياحة.
بالاضافة لارتباط مصر بملفات شائكة أبرزها القضية الفلسطينية وقطاع غزة وأمن البحر الأحمر
إلى جانب ارتباط أمنها الإقليمي بالتطورات في السودان وليبيا واثيوبيا
وبالتالي فإن اتساع الحرب في الشرق الأوسط لا يمثل أزمة عسكريًا فقط وإنما سيتحول إلى ضغط اقتصادي وسياسي وأمني في الوقت نفسه.وفى هذا التوقيت الصعب
إسرائيل وأطماع المنطقة
من الطبيعي عند تحليل التصعيد أن نتوقف أمام إسرائيل باعتبارها أحد الأطراف الرئيسية في المشهد الإقليمي وابرز المستفيدين
فإسرائيل تنظر إلى المنطقة بعين مختلفة عن كثير من دول المنطقة ومن اهدافها تحجيم خصومها وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية من خلال حساباتها الأمنية.
لكن القول إن إسرائيل تسعى بالذات إلى جر مصر إلى الحرب يتطلب أدلة مباشرة وهي غير متوافرة حتى الآن. .
وبالتالى استمرار الحرب قد يخلق ظروفًا تجعل مصر تحت ضغط متزايد خصوصًا إذا امتدت المواجهات إلى الممرات البحرية أو الحدود أو المنشآت الحيوية.
وهنا تكمن الخطورة؛ فالحروب لا تحتاج دائمًا إلى قرار معلن بإدخال دولة جديدة.ولكن بعض الاحداث الاستفزازية قد تجعل دولة ما نفسها مضطرة إلى اتخاذ موقف أكثر حدة.
إيران ولعبة الضغط الإقليمي
إيران تمثل لاعبًا رئيسيًا في معادلة حرب الشرق الأوسط.
وتملك طهران كثيرا من العلاقات والتحالفات مع قوى وجماعات مسلحة في المنطقة، كما تستخدم أوراقًا متعددة للضغط على خصومها .
من بينها الملاحة والطاقة والممرات البحرية.
لكن اتساع نطاق المواجهة نتائجة اكيد ستضر بايران التى ستفتح جبهه اضافية
وقد أعلنت مصر مرارا إدانتها للهجمات الإيرانية على عدد من دول الخليج ووصفتها بأنها تهديد لأمن واستقرار المنطقة مؤكدة تضامنها مع الدول العربية المستهدفة.
وهذا الموقف يعكس معادلة مهمة : مصر ترفض تهديد أمن الدول العربية لكنها في الوقت نفسه لا ترغب أن تتحول إلى طرف مباشر في الحرب.
الولايات المتحدة بلطجة النفوذ
أما الولايات المتحدة فتتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره منطقة عسكرية ترتبط بالأمن والطاقة والملاحة الدولية وحماية الأصدقاء
ومع اتساع الحرب، تصبح الممرات البحرية ومصادر الطاقة أكثر أهمية في الحسابات الأمريكية. واسعار الخام
لكن استمرار التصعيد لا يعني بالضرورة أن واشنطن ترغب في إدخال مصر إلى الحرب
فالمفروض ان مصر دولة محورية بالنسبة إلى الاستقرار الإقليمي وأي اضطراب واسع داخلها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها
خصوصًا فيما يتعلق بقناة السويس والبحر الأحمر والتجارة العالمية.
ولهذا فإن بقاء مصر مستقرة وقادرة على التواصل مع مختلف الأطراف قد يكون في حد ذاته مصلحة للعديد من القوى الدولية.
لماذا مصر ؟
السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: لماذا تبدو مصر معرضة لتداعيات الحرب أكثر من غيرها؟
الإجابة تبدأ من المكان والحرب قائمة
مصر تقع بالقرب من بؤر صراع متعددة وترتبط بملفات غزة والبحر الأحمر وقناة السويس والطاقة وبعض الممرات مع الدول التى تعانى
وفي الوقت نفسه فإن أي اضطراب كبير في الملاحة يمكن أن ينعكس على الاقتصاد المصري ليزداد الضغط
حادثة ميناء دمياط الأخيرة تكشف مدى حساسية الوضع فالهجوم على منشأة بحرية مصرية لا يمثل مجرد حادث أمني بل يطرح تساؤلات حول أمن الموانئ والمنشآت الحيوية واحتمالات انتقال المخاطر من مناطق الصراع إلى مناطق كانت تعتبر أكثر أمنًا ومدى جاهزية التصدى المبكر
والأخطر أن ميناء دمياط يقع على البحر المتوسط أي أن نطاق المخاطر لم يعد مرتبطًا فقط بالبحر الأحمر أو مضيق باب المندب. مما يعطى ايحاء انه امر مدار
من يريد جر مصر إلى الحرب؟
هنا يجب التمييز بين التحليل والاتهام.
لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت وجود خطة من طرف واحد هدفها إجبار مصر على الدخول في الحرب.
لكن وجود مصالح متعارضة في المنطقة يجعل احتمال استغلال أي حادث أمني أو سياسي أمرًا لا يمكن تجاهله.
فقد يستفيد طرف من تعطيل الملاحة بينما يستفيد آخر من ارتفاع أسعار الطاقة وقد تستفيد قوى سياسية من زيادة الاستقطاب بينما ترى أطراف أخرى في توسيع الحرب فرصة لإعادة ترتيب التحالفات
وفي النهاية قد تكون النتيجة واحدة: اتساع رقعة الصراع ووصول آثاره إلى مصر
وهذا أخطر من وجود مخطط واحد لأن تداخل المصالح قد يؤدي إلى النتيجة نفسها حتى من دون اتفاق بين جميع الأطراف وكلها خسائر
الخطر قد يكون في رد الفعل
ربما لا يكون الخطر الأكبر على مصر هو وقوع حادث منفرد وإنما ما قد يأتي بعده لا قدر الله
فإذا تكررت الهجمات على منشآت أو سفن أو مصالح مرتبطة بمصر فقد تتزايد الضغوط السياسية والشعبية والمندسه لاتخاذ موقف أكثر قوة مثلا
وإذا تطورت الأمور إلى رد عسكري فقد تتوقع رد مضاد ثم رد جديد وتبدأ دائرة تصعيد يصعب إيقافها .. لحظة صمت
وهنا يمكن أن تتحول مصر تدريجيًا من دولة تحاول احتواء التوتر الإقليمي وتسعى لتقريب الحلول والتحذير من التأثير السلبى للصراع على كل المنطقة
إلى دولة مشاركة في الصراع رغما عنها
وهذا هو السيناريو الذي يجب أن تحاول الدولة الحكيمة أن تتجنبه قدر الإمكان
الحرب تصل إلى المواطن قبل أن تصل إلى الجندي
كثيرون ينظرون إلى الحرب باعتبارها طائرات وصواريخ ومعارك ومسيرات ودفاعات لكن تأثير الحرب في المنطقة دى يمكن أن يصل إلى المواطن المصري
بطريقة مختلفة تمامًا واسرع من المتوقع زى ارتفاع أسعار الطاقة زيادة تكلفة النقل ارتفاع أسعار التأمين البحري اضطراب حركة التجارة تأثر السياحة وتراجع الاستثمارات
انهيارات فالبورصة قلة بعض المطلوبات كلها عوامل يمكن أن تنعكس في النهاية على أسعار الحياة وتكلفة المعيشة
كما اشرنا سابقا فى مقال أزمة الطاقة
وهكذا قد يدفع المواطن فاتورة حرب لم يشارك فيها مما يزيد الضغوط
فكلما ارتفعت المخاطر والاضطرابات في المنطقة زادت تكلفة نقل البضائع والطاقة والتأمين وقد تمتد آثار ذلك إلى الأسواق المحلية.
ومن هنا تصبح حماية الاقتصاد المصري جزءًا أساسيًا من حماية الأمن القومي
بالاضافة للأثر السبى المحتمل ل قناة السويس.
فالقناة ليست مجرد ممر مائي بل شريان رئيسي للتجارة الدولية.
وأي تهديد مستمر للملاحة في البحر الأحمر أو المناطق المحيطة به يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها وهو ما يرفع الوقت والتكلفة ويزيد الضغوط على التجارة العالمية وخسائر مليارية كانت متوقعة
ولهذا فإن استقرار المنطقة المحيطة بقناة السويس يمثل مصلحة مصرية ودولية في الوقت نفسه.
هل تستطيع مصر البقاء خارج الحرب؟
هذا هو السؤال الأقوى وليس هل تريد مصر الحرب أم لا.
فالمصلحة المصرية الواضحة دزما هي تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة والحفاظ على أمن الحدود والمنشآت والممرات البحرية.
لكن المشكلة أن الدولة قد لا تختار دائمًا توقيت المواجهة ممكن تفرض عليك المواجهه
فقد تقع حادثة أمنية أو تتعرض سفينة لهجوم أو تستهدف منشأة حيوية ثم تبدأ الضغوط السياسية لاتخاذ موقف …
ولهذا فإن قدرة مصر على إدارة الأزمة تعتمد على عدة عوامل: قوة الردع حماية المنشآت الحيوية تأمين الملاحة النشاط الدبلوماسي ومنع تحويل أي حادث منفرد إلى شرارة لحرب أكبر ببعض نافخى الكير واصحاب المصالح
من يحب استمرار الفوضى؟
ربما يكون من الخطأ البحث عن دولة واحدة باعتبارها المستفيد الوحيد.
فالفوضى الإقليمية تخلق مصالح متعددة ومتشابكة
هناك من يستفيد سياسيًا من انهيار تحالفات قديمة وهناك من يستفيد اقتصاديًا من اضطراب أسواق الطاقة وهناك من يرى في الحرب فرصة لزيادة الإنفاق العسكري وبيع منتجاته بينما تستفيد أطراف أخرى من إعادة رسم طرق التجارة والملاحة
لكن المستفيد الحقيقي من استمرار الفوضى ليس بالضرورة من أشعلها.
فقد تبدأ الحرب بهدف محدد ثم تتوسع بصورة تتجاوز حسابات أصحابها حسب حكمة اللاعبين
وهنا تصبح الفوضى نفسها لاعبًا في المعادلة.
مصر أمام اختبار استراتيجي
مصر اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية.
فهي مطالبة بحماية أمنها القومي والحفاظ على مصالحها الاقتصادية ومنشأتها الحيوية ودعم أمن الدول العربية
وفي الوقت نفسه تجنب الدخول في حرب مفتوحة قد تكون تكلفتها ضخمة.
وهذا يتطلب سياسة شديدة التوازن والحكمة تحتسبها موجودة
فالحياد في بعض اللحظات لا يعني الضعف كما أن عدم الدخول في حرب لا يعني الخوف أو ترك حق الدفاع عن الدولة.
القوة الحقيقية قد تكون في امتلاك القدرة على الرد مع استخدام الدبلوماسية لمنع الانزلاق لنقطة يصبح فيها الرد العسكري هو الخيار الوحيد.
الخلاصة: مصر ليست بعيدة عن النار
المشهد الحالي يؤكد أن الحرب في الشرق الأوسط لم تعد محصورة داخل حدودمعينة .
ومع حادثة ميناء دمياط، أصبحت المخاطر أقرب إلى المصالح والمنشآت المصرية بصورة مباشرة رغم أن الجهة المسؤولة عن الهجوم لم تُحدد حتى الآن.
لكن القفز إلى اتهام طرف بعينه أو الحديث عن مؤامرة مكتملة الأركان سيكون سابقًا لأوانه.
الأهم هو قراءة الصورة الأكبر.
هناك صراع على النفوذ وصراع على الطاقة وصراع على الممرات البحرية وصراع على مستقبل المنطقة.
ومصر بحكم موقعها وثقلها ومواقفها ليست بعيدة عن هذه الحسابات.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول مصر إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين
فالحرب التي تبدأ في مكان آخر يمكن أن تصل إلى مصر عبر البحر أو الاقتصاد أو الحدود أو الممرات التجارية
ولهذا فإن حماية مصر لا تعني فقط حماية حدودها وإنما أيضًا حماية قرارها من أن يصبح رهينة لتصعيد الاخرين
ففي عالم الحروب هذه الايام قد لا يكون الهدف أن تحتل دولة دولة أخرى بل أن تدفعها إلى اتخاذ القرار الذي يخدم مصالح خصومها من وراء ستار
وهنا تحديدًا تكمن المعركة الأصعب والأدق : أن تبقى مصر قوية يقظة وقادرة على حماية مصالحها من دون أن تختار لها الأطراف المتصارعة المعركة التي تريدها
وأن يكون هذا الحادث ناقوس انذار شديد اللهجة لاتخاذ التدابير وتحيا مصر وحفظ الله مصر أرضا وشعبا ….