الدعم النقدي في مصر: جدل مصير الخبز المدعم وتحديات التضخم
تتصدر قضية التحول من الدعم العيني إلى النقدي في مصر النقاش العام، مع تركيز خاص على مصير رغيف الخبز المدعم الذي يمثل شريان حياة لملايين المواطنين. تهدف الحكومة إلى توجيه الدعم بكفاءة أكبر عبر مبالغ مالية مباشرة، لكن تساؤلات ملحة تثار حول قدرة هذا الدعم النقدي على مواكبة الارتفاع المستمر في الأسعار، وتأثيره المحتمل على الأمن الغذائي للفئات الأكثر اعتمادًا على الخبز، في ظل ضغوط تضخمية متواصلة يواجهها الاقتصاد المصري.
التوجه الحكومي نحو الدعم النقدي
تتجه الحكومة المصرية نحو تطبيق منظومة دعم أكثر كفاءة، تستهدف الفئات المستحقة بصورة مباشرة، وذلك بتحويل الدعم العيني إلى مبالغ نقدية. أكد وزير التموين، شريف فاروق، أن رغيف الخبز سيظل متاحًا بسعر محدد وموحد عبر الجهات التموينية، بينما سيحصل المستحقون على مبالغ مالية تودع في محافظهم الإلكترونية أو بطاقات الدعم الخاصة بهم. يهدف هذا التوجه إلى منح المستفيدين مرونة أكبر في الاستفادة من الدعم، مع الأخذ في الاعتبار تكلفة السلة الغذائية الأساسية واحتياجات المواطنين عند تحديد قيمة الدعم النقدي.
آليات تحديد قيمة الدعم ومعايير الاستحقاق
أوضح وزير التموين أن قيمة الدعم النقدي التي يجري دراستها ستراعي معدلات التضخم وارتفاع الأسعار لضمان وصول الدعم بفعالية. كما ستكون عملية إضافة أو حذف المستفيدين مستمرة وفق معايير الاستحقاق، بهدف استبعاد غير المستحقين وإدراج الأسر الأكثر احتياجًا. تشير البيانات الحالية إلى أن نحو 65% من سكان مصر يستفيدون من منظومة الدعم، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالعديد من الدول، وتستهدف عمليات تنقية البطاقات التموينية ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين دون المساس بحقوق الفئات الأولى بالرعاية.
مخاوف وتحديات التحول إلى الدعم النقدي
يثير ملف الخبز المدعم قلقًا خاصًا في سياق التحول إلى الدعم النقدي، نظرًا لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي للمواطنين. يحذر معارضون من أن نجاح المنظومة الجديدة مرهون بقدرة الدولة على مواكبة التغيرات السعرية المستمرة، وضمان عدم تآكل قيمة الدعم بمرور الوقت بسبب التضخم. هذه المخاوف تتزايد في ظل استمرار الضغوط التضخمية، رغم التراجع النسبي في معدلات التضخم خلال الأشهر الأخيرة.
رأي الخبراء والبرلمانيين
حذر الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، من المساس بمنظومة دعم الخبز قبل توافر ضمانات واضحة تكفل حماية الفئات المستفيدة. وأشار إلى أن الملايين يستفيدون من الخبز المدعم، مما يتطلب دراسة متأنية وتقييمًا دقيقًا للآثار الاجتماعية والاقتصادية لأي تغيير. وأكد أن التحدي لا يكمن فقط في قيمة الدعم عند بدء التطبيق، بل في قدرة الدولة على تحديثه دوريًا بما يتناسب مع الزيادات في الأسعار. كما دعا إلى إتاحة كافة البيانات والتفاصيل المتعلقة بالمنظومة المقترحة قبل المضي في أي خطوات تنفيذية.
سيناريوهات مقترحة لمواجهة ارتفاع التكاليف
بالتوازي مع النقاشات حول الدعم النقدي، تجري وزارة التموين مناقشات حول عدد من السيناريوهات المرتبطة بمنظومة الخبز المدعم لمواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج. أشار عبدالله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية، إلى أن الوزارة تدرس مقترحات تتعلق بمواصفات الرغيف وتكلفته لضمان استدامة المنظومة.
خفض وزن الرغيف وتعديل سعره
من بين المقترحات المطروحة، خفض وزن رغيف الخبز من 90 جرامًا إلى 70 جرامًا، بهدف التعامل مع الزيادات في تكاليف الإنتاج والحفاظ على استمرار حصول المواطن على حصته المقررة. كما توجد تصورات بشأن تعديل سعر الرغيف ضمن المنظومة الجديدة، حيث قد يصل إلى 1.5 جنيه. هذه المقترحات لا تزال قيد الدراسة ولم يصدر بشأنها أي قرار نهائي، ويقوم ممثلو القطاع بدراسة الجوانب الفنية والاقتصادية لهذه المقترحات تمهيدًا لمناقشتها مع وزارة التموين، خاصة أن أي تغيير في وزن الرغيف أو آليات الدعم ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج.

مخصصات الدعم في الموازنة العامة
تخصص الحكومة في مشروع موازنة العام المالي 2026-2027 نحو 178.3 مليار جنيه (ما يعادل حوالي 3.54 مليار دولار) لدعم السلع التموينية، بزيادة سنوية تبلغ 11%. يمثل هذا المبلغ نحو 38% من إجمالي مخصصات الدعم البالغة 468 مليار جنيه (حوالي 9.29 مليار دولار). يأتي ذلك بالتزامن مع استمرار التوسع في برامج الدعم النقدي، مثل برنامج"تكافل وكرامة"، الذي يستفيد منه الأسر الأكثر احتياجًا وكبار السن وذوو الإعاقة. يستفيد نحو 60 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني، بالإضافة إلى المستفيدين من دعم الخبز، مما يؤكد أهمية هذه المنظومات في توفير الاحتياجات الأساسية لشريحة واسعة من المجتمع المصري.
تُظهر هذه الأرقام التزام الدولة بدعم المواطنين، ولكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على حجم التحدي الاقتصادي الذي تواجهه في ظل ارتفاع الأسعار العالمية والمحلية. إن التحول إلى الدعم النقدي، رغم أهدافه النبيلة في زيادة الكفاءة والمرونة، يتطلب تخطيطًا دقيقًا وضمانات قوية لمواجهة تقلبات السوق والحفاظ على القوة الشرائية للمبالغ المخصصة، لضمان استمرارية توفير الأمن الغذائي للمواطنين، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا.