منتخب مصر بين الإنجاز التاريخي والإخفاق المتكرر: قراءة مقارنة مع المغرب والسنغال

منتخب مصر بين الإنجاز التاريخي والإخفاق المتكرر: قراءة مقارنة مع المغرب والسنغال

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

منتخب مصر بين الإنجاز التاريخي والإخفاق المتكرر: قراءة مقارنة مع المغرب والسنغال

 

يحتل منتخب مصر مكانة استثنائية في تاريخ كرة القدم الأفريقية؛ وذلك بوصفه الأكثر تتويجًا بكأس الأمم الأفريقية برصيد 7 ألقاب (1957، 1959، 1986، 1998، 2006، 2008، 2010)، وهو رقم لم يقترب منه أي منتخب أفريقي آخر. غير أن هذا التفوق القاري اللافت يتناقض بوضوح مع الحضور العالمي المحدود، حيث لم ينجح المنتخب المصري في تجاوز دور المجموعات في كأس العالم طوال مشاركاته الثلاث (1934، 1990، 2018). هذا التباين الحاد يفتح باب التساؤل حول طبيعة الخلل في المنظومة الكروية المصرية.

image about منتخب مصر بين الإنجاز التاريخي والإخفاق المتكرر: قراءة مقارنة مع المغرب والسنغال

أولًا: الإنجاز القاري بالأرقام والسياق:

ارتبطت ذروة نجاح منتخب مصر قاريًا بفترة ذهبية واضحة بين عامي 2006 و2010، حين حقق ثلاث بطولات متتالية لكأس الأمم الأفريقية، في إنجاز فريد على مستوى القارة. خلال هذه البطولات، تميّز المنتخب بصلابة دفاعية واضحة؛ إذ استقبل هدفين فقط في نسخة 2008، ولم يُهزم في 19 مباراة متتالية بالبطولة. هذا التفوق لم يكن قائمًا فقط على المهارة الفردية، بل على الانسجام والاستقرار الفني، حيث استمر الجهاز الفني ذاته لسنوات، مع اعتماد شبه كامل على لاعبي الدوري المحلي الذين كانوا في ذروة عطائهم البدني والفني.

ثانيًا: الإخفاق العالمي بلغة الأرقام:

تبدو حصيلة منتخب مصر في كأس العالم محدودة للغاية. ففي مشاركة 1990 بإيطاليا، خرج المنتخب بثلاثة تعادلات دون أي فوز. أما في كأس العالم 2018 بروسيا، فخسر مبارياته الثلاث أمام أوروجواي وروسيا والسعودية، مكتفيًا بتسجيل هدفين فقط، رغم امتلاكه آنذاك أحد أبرز نجوم العالم. وتكشف الأرقام أن منتخب مصر، عبر مشاركاته المونديالية الثلاث، لم يحقق أي انتصار، وهو مؤشر صارخ على عجز مزمن عن المنافسة في البطولات الكبرى، لا يمكن تفسيره بعامل الصدفة أو سوء الحظ وحده.

ثالثًا: مصر والمغرب والسنغال بلغة الأرقام العالمية:

شارك منتخب مصر في كأس العالم 3 مرات فقط (1934، 1990، 2018)، ولم يحقق أي فوز، ولم يتجاوز دور المجموعات في أي مشاركة. 

في المقابل، شارك منتخب المغرب في كأس العالم 6 مرات، ونجح في: 

  • - بلوغ دور الـ16 عام 1986.
  • - ثم تحقيق إنجاز تاريخي بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، كأول منتخب أفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز. 

أما منتخب السنغال، فقد شارك في كأس العالم 3 مرات (2002، 2018، 2022)، ونجح في: 

  • - الوصول إلى ربع النهائي عام 2002.
  • - ثم تجاوز دور المجموعات مجددًا في مونديال 2022 قبل الخروج من دور الـ16. 
  •  
  • تكشف هذه الأرقام أن مصر، رغم تفوقها القاري، الأقل تأثيرًا عالميًا بين هذه المنتخبات الثلاثة.

إن التفوق القاري لمنتخب مصر لم يُترجَم إلى نجاح مماثل على المستوى العالمي، في تناقض صارخ إذا ما قورن بمسار منتخبات أفريقية أخرى، مثل المغرب والسنغال، اللذين حققا خلال العقد الأخير حضورًا عالميًا أكثر رسوخًا رغم رصيدهما القاري الأقل.

رابعًا: قراءة في أسباب الإنجاز والإخفاق بين مصر والمغرب والسنغال:

(1) الاستقرار والتخطيط مقابل ردّ الفعل:

يعكس مسار المغرب والسنغال وجود مشروع كروي طويل المدى. فالمغرب أطلق منذ أكثر من عقد استراتيجية واضحة لتطوير البنية التحتية، كان من أبرز ثمارها إنشاء أكاديمية محمد السادس، التي خرّجت عددًا كبيرًا من لاعبي المنتخب الأول المشاركين في مونديال 2022. أما السنغال، فقد ركزت على تصدير اللاعبين إلى أوروبا في سن مبكرة، ما أتاح لهم الاحتكاك المنتظم بأعلى المستويات، وهو ما انعكس على الأداء الجماعي للمنتخب. في المقابل، يفتقر المنتخب المصري إلى مشروع مماثل مستقر، إذ غالبًا ما تُدار المراحل الانتقالية بعقلية مؤقتة، مع تغييرات متكررة في الأجهزة الفنية، دون ربط واضح بين منتخبات الناشئين والمنتخب الأول.

(2) الاحتراف الخارجي كجزء من المنظومة: 

بلغ عدد اللاعبين المحترفين في الدوريات الأوروبية الكبرى ضمن قوام منتخب المغرب في مونديال 2022 أكثر من 90٪ من القائمة، معظمهم في دوريات النخبة (إسبانيا، فرنسا، إنجلترا، إيطاليا، ألمانيا). وبالمثل، يعتمد منتخب السنغال على قاعدة واسعة من اللاعبين المحترفين في أوروبا، ما يمنحه انسجامًا مع متطلبات الكرة الحديثة من حيث السرعة، والانضباط التكتيكي، والجاهزية البدنية. أما منتخب مصر، فرغم امتلاكه بعض الأسماء البارزة عالميًا، فإن القوام الأساسي ظل لفترات طويلة معتمدًا على لاعبي الدوري المحلي، في دوري لا يواكب دائمًا الإيقاع العالمي، وهو ما يخلق فجوة واضحة عند مواجهة منتخبات الصف الأول.

(3) الأداء في البطولات العالمية الكبرى: 

في مونديال 2022، نجح المغرب في إقصاء منتخبات كبرى مثل إسبانيا والبرتغال، وفرض أسلوب لعب منظم قائم على الانضباط الدفاعي والتحول السريع. كما أظهر المنتخب السنغالي قدرة واضحة على المنافسة، بتحقيق فوزين في دور المجموعات، رغم غياب نجمه الأول في إحدى المشاركات. في المقابل، جاءت مشاركة مصر في مونديال 2018 بلا نقاط، وبأداء اتسم بالتردد وغياب الهوية، ما يعكس الفرق بين منتخب يدخل البطولة كمشروع تنافسي، وآخر يدخلها باعتبارها غاية بحد ذاتها.

image about منتخب مصر بين الإنجاز التاريخي والإخفاق المتكرر: قراءة مقارنة مع المغرب والسنغال

خامسًا: أين يكمن الخلل المصري؟ 

تُظهر المقارنة أن الخلل في التجربة المصرية لا يرتبط بعدد البطولات القارية، بل بـ: 

(1) غياب التخطيط طويل المدى: 

يعاني المنتخب المصري من غياب رؤية استراتيجية تمتد عبر أكثر من دورة كروية، حيث يُختزل الهدف غالبًا في التأهل للبطولات دون إعداد مشروع تنافسي حقيقي. هذا النهج القصير الأمد يؤدي إلى تغيّر السياسات الفنية بتغيّر النتائج، ويمنع تراكم الخبرات وبناء هوية لعب مستقرة قادرة على التطور على المدى البعيد.

(2) ضعف الربط بين القاعدة والمنتخب الأول: 

تفتقر الكرة المصرية إلى منظومة واضحة تضمن انتقالًا سلسًا من منتخبات الناشئين والشباب إلى المنتخب الأول، إذ غالبًا ما تتحقق إنجازات الفئات السنية بمعزل عن مشروع المنتخب الكبير. ونتيجة لذلك، لا يتحول النجاح المبكر إلى رصيد مستدام، بل يُهدر مع غياب المتابعة والتأهيل المتدرج.

(3) الاعتماد على الإنجاز الآني بدل بناء منظومة مستدامة:

تركّز السياسات الكروية في مصر على النتائج السريعة، خاصة في البطولات القارية، ما يدفع إلى استنزاف جيل بعينه دون إعداد بدائل جاهزة. هذا الاعتماد على اللحظة يحقق نجاحًا مؤقتًا، لكنه يخلق فراغًا حادًا عند تراجع الجيل أو رحيله، ويُعيد المنظومة إلى نقطة الصفر.

(4) التأخر في إدماج الاحتراف الخارجي ضمن استراتيجية وطنية شاملة:

رغم وجود لاعبين مصريين محترفين في الخارج، فإن الاحتراف لا يُدار كخيار استراتيجي، بل كمبادرات فردية معزولة. وغياب سياسة واضحة لدعم انتقال اللاعبين مبكرًا إلى دوريات قوية، ومتابعتهم فنيًا وتكتيكيًا، يحرم المنتخب من تعظيم الاستفادة من الخبرات الدولية ودمجها ضمن هوية لعب موحدة.

ختامًا: 

تكشف المقارنة الرقمية والتاريخية بين مصر والمغرب والسنغال أن النجاح العالمي لا يُقاس بعدد الكؤوس القارية، بل بقدرة المنظومة على إنتاج منتخب قادر على المنافسة في أعلى المستويات. وبينما نجحت بعض المنتخبات الأفريقية في تحويل مشاريعها المحلية إلى إنجاز عالمي، لا يزال منتخب مصر أسير تاريخه القاري، عاجزًا عن تحويل هذا الإرث إلى حضور دولي فاعل. 

ويبقى السؤال مفتوحًا: متى تنتقل الكرة المصرية من منطق الفخر بالماضي إلى منطق صناعة المستقبل؟

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
مقالة وفكرة تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

5

متابعهم

42

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.