تأثير التعريفات الجمركية الأمريكية على أسعار السلع العالمية
التأثير الإجمالي
فرضت إدارة ترامب موجة غير مسبوقة من التعريفات الجمركية خلال عام 2025، بدءًا من تعريفات 10% على جميع الواردات عالميًا في أبريل، مع تعريفات خاصة بكل دولة قد تصل إلى 50% على منتجات معينة مثل الفولاذ والألمنيوم والنحاس. وعكس التوقعات الأولية، خلقت هذه الإجراءات ضغوطًا انكماشية على أسعار السلع العالمية، حيث توقعت البنك العالمي انخفاض أسعار السلع الأساسية بنسبة 12% في عام 2025 وإضافية 5% في عام 2026.
آليات التأثير
يعمل تأثير التعريفات من خلال قناتين رئيسيتين:
القناة الاقتصادية الكلية: أدت الشكوك التجارية وعدم اليقين إلى انخفاض الطلب العالمي على المواد الخام. وقد انعكس هذا في خسائر سوق الأسهم الأمريكية بحوالي 5 تريليونات دولار عقب إعلان التعريفات.
قناة إعادة توزيع التجارة: عندما تفرض الولايات المتحدة تعريفات على سلعة معينة، تصبح البضائع المستوردة أكثر تكلفة. وهذا يقلل الواردات الأمريكية، مما يجبر الدول الأخرى على إعادة توجيه صادراتها إلى أسواق دولية أخرى، مما يخلق فائضًا عالميًا يضغط على الأسعار بشكل عام.
التأثيرات القطاعية
المعادن الصناعية
شهدت أسعار الفولاذ والألمنيوم في الولايات المتحدة ارتفاعًا حادًا مقارنة بالأسواق الدولية. زادت الفجوة السعرية بين أسعار الفولاذ في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بنسبة 77% بين فبراير ومايو 2025، بينما ارتفعت أسعار الألمنيوم بنسبة 139% خلال نفس الفترة. قدرت مجموعة بوسطن للاستشارات أن التعريفات المضاعفة على الفولاذ والألمنيوم (من 25% إلى 50% في يونيو 2025) ستضيف 50 مليار دولار في تكاليف التعريفات.
حفزت هذه الزيادات في الأسعار استثمارات جديدة في القدرات الإنتاجية الأمريكية، بما في ذلك خطط من شركات مثل الإمارات للألمنيوم وشركات كورية جنوبية.
السلع الزراعية
تواجه الأسعار الزراعية ضغوطًا مزدوجة. من ناحية، ارتفعت تكاليس المدخلات (الأسمدة والآلات) بسبب التعريفات. من ناحية أخرى، فرضت دول مثل المكسيك والصين وكندا تعريفات انتقامية على المنتجات الزراعية الأمريكية، مما قلل الطلب على الصادرات الأمريكية بقيمة 191 مليار دولار سنويًا.
كان للتعريفات على الأسمدة تأثير خاص، حيث تواجه دول مثل تونس وموريتانيا والدول الآسيوية معدلات تعريفية مرتفعة تصل إلى 28-30%. هذا يرفع تكاليف الإنتاج الزراعي عالميًا ويهدد الأمن الغذائي للدول النامية.
القهوة والسلع الأخرى
كان للتعريفات على القهوة تأثير خاص. عندما أعلنت إدارة ترامب عن تعريفة 50% على واردات البرازيل (أكبر منتج قهوة عالمي) في أغسطس 2025، ارتفعت أسعار العقود الآجلة للقهوة إلى مستويات تاريخية، وصلت إلى 4.25 دولار في سبتمبر 2025. وحسب بيانات المكتب الأمريكي لإحصائيات العمل، ارتفعت أسعار القهوة بنسبة 14.5% سنويًا في يوليو 2025، مع وصول السعر الفعلي إلى 8.41 دولار للرطل الواحد.
تشمل السلع الأخرى المتأثرة الشاي والتوابل والفواكه الاستوائية (الموز والكيوي) والعسل والشوكولاتة، حيث يعتمد التجار على استيراد هذه المنتجات ولا يمكنهم بسهولة تحويل مصادرهم.
النحاس والطاقة
فرضت الولايات المتحدة تعريفة 50% على واردات النحاس ابتداءً من أغسطس 2025، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النحاس إلى مستويات قياسية. وبما أن الولايات المتحدة تستورد حوالي نصف احتياجاتها من النحاس، فإن هذا التعريف له تأثير عميق على أسعار الإلكترونيات والطاقة المتجددة عالميًا.
على النقيض من ذلك، أعفت التعريفات الواردات النفطية من هذه الرسوم. ومع ذلك، بسبب تراجع الطلب العالمي الناجم عن الشكوك التجارية، توقعت شركة جولدمان ساكس انخفاض أسعار النفط بنسبة 8% في عام 2026، مع استقرار حول 56 دولار للبرميل.
التأثيرات على أسعار المستهلكين
على الرغم من أن التعريفات فرضت الأسعار الإجمالية، إلا أن تأثيرها على التضخم كان أقل شدة من التوقعات. تم توزيع الضغط السعري بين ثلاث جهات: حملتها الشركات الأمريكية 40%، والمستهلكون الأمريكيون 40%، والمصدرون الأجانب 20%.
ارتفعت أسعار السلع المحددة بشكل ملموس:
| السلعة | ارتفاع السعر |
|---|---|
| القهوة | +20.9% سنويًا |
| الملابس | +0.5% شهريًا |
| قطع غيار السيارات | +0.6% شهريًا |
| السيارات الجديدة | +0.3% شهريًا |
| أسعار البقالة | +0.6% شهريًا |
| الأثاث والفراش | +4.7% سنويًا |
| الأدوات والأجهزة | +0.8% شهريًا |
غالبًا ما تمكنت الشركات الأمريكية من امتصاص معظم تكاليف التعريفات لأنها تمتلك مخزون كبير من البضائع قبل فرض التعريفات. ومع ذلك، مع نفاد هذا المخزون، يُتوقع أن تنتقل الأسعار إلى المستهلكين بشكل أكبر في عام 2026.
الآثار على سلاسل الإمداد العالمية
أجبرت التعريفات الشركات على إعادة هيكلة سلاسل الإمداد الخاصة بها بسرعة. عانت 60% من الشركات الأمريكية من زيادات في تكاليف الخدمات اللوجستية تتراوح بين 10-15%. على سبيل المثال، أضافت التعريفات على الفولاذ والألمنيوم 500 دولار إلى 1000 دولار إلى تكلفة كل سيارة يتم إنتاجها في الولايات المتحدة.
ردًا على ذلك، حولت الشركات مصادرها إلى دول أخرى. على سبيل المثال، قللت وول مارت واردات الصين بنسبة 10% لصالح الموردين في فيتنام وتايلاند، بينما حولت هيوليت باكارد بعض مصادر الإلكترونيات إلى تايوان وتايلاند، مما حقق توفيرات بنسبة 8%.
تُوقع دراسة من مجموعة بوسطن للاستشارات أن 40% من الشركات الأمريكية ستنقل جزءًا على الأقل من سلاسل الإمداد إلى أمريكا الشمالية بحلول عام 2026. هذه الاتجاهات تحفز التحول نحو سلاسل الإمداد الإقليمية، حيث قد تشكل 50% من التجارة العالمية بحلول عام 2030.
التأثيرات الإقليمية
منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (بما فيها مصر)
تلقت مصر ومعظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معاملة نسبية أفضل من الدول الأخرى، حيث فرضت عليها تعريفة أساسية قدرها 10% فقط (مقارنة بـ 30% على الصين و 20% على الاتحاد الأوروبي).
ومع ذلك، تواجه مصر ضغوطًا غير مباشرة متعددة:
دول استيراد النفط مثل مصر والأردن والمغرب تواجه مخاطر معكوسة. هذه الدول تعاني بالفعل من ضغوط تضخمية وقيود على الديون الخارجية. قد تواجه زيادة في تكاليس استيراد النفط إذا ارتفعت أسعاره بسبب تذبذب السوق، حتى في السياق الحالي لتراجع أسعار الخام.
تعتمد مصر بشكل كبير على استيراد الحبوب والوقود، مما يجعلها عرضة بشكل خاص للصدمات الخارجية في الأسعار. الدول التي تربط عملاتها مباشرة أو بشكل غير مباشر بالدولار الأمريكي (مثل مصر) تنقل آثار السياسة النقدية الأمريكية والتضخم المرتبط بالتجارة بشكل أكثر حدة إلى اقتصاداتها المحلية.
من ناحية إيجابية، يمكن لمصر أن تستفيد من انخفاض أسعار المواد الخام العالمية (مثل الفولاذ والألمنيوم) الناجمة عن التعريفات، مما قد يحسن تنافسيتها كمنتج منخفض التكلفة في أسواق السيارات العالمية.
الدول النامية
كان للتعريفات تأثير ديموغرافي واضح: الدول النامية التي تعتمد على واردات الغذاء والأسمدة تواجه مخاطر أكبر. ارتفعت أسعار الذرة العالمية بنسبة 7% بين 2 أبريل (يوم "التحرير" لترامب) و 11 أبريل وحده. البحث يشير إلى أن الاضطرابات في التسعير الدولي تؤدي إلى زيادة الأسعار المحلية، خاصة في الدول النامية، مع احتمال حدوث أزمة غذائية هادئة لكن شديدة في المناطق ذات الدخل المنخفض.
التأثيرات الاقتصادية الكلية
على الرغم من نوايا السياسة، كان للتعريفات تأثيرات اقتصادية سلبية واسعة الانتشار. توقعت دراسات من جامعة ييل والمؤسسات البحثية الأخرى أن التعريفات ستؤدي إلى:
انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الأمريكي بحوالي 0.5 نقطة مئوية في عامي 2025 و 2026
ارتفاع معدل البطالة بمقدار 0.3 نقطة مئوية بحلول نهاية عام 2025 و 0.7 نقطة مئوية بحلول نهاية عام 2026
انخفاض إجمالي العمالة بمقدار 490,000 وظيفة بحلول نهاية عام 2025
انخفاض طويل الأجل بنسبة 0.35% في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (ما يعادل 105 مليار دولار سنويًا)
انخفاض الصادرات بنسبة 16%
التأثير على التضخم
وعكس التوقعات الأولية، كان تأثير التعريفات على التضخم أقل شدة من المتوقع. في نوفمبر 2025، وصل التضخم الأساسي في مؤشر أسعار المستهلكين إلى 2.9%، وهو أقل بكثير من التوقعات التي تراوحت بين 3% و 3.1%.
كانت هناك عدة أسباب لهذا:
أولاً، امتصت الشركات الأمريكية معظم تكاليف التعريفات على حساب هوامشها الربحية، بدلاً من نقلها بالكامل إلى المستهلكين. ثانيًا، كانت الضغوط الانكماشية من ضعف الطلب العالمي قوية بما يكفي لموازنة ضغوط الأسعار الصعودية الناجمة عن التعريفات.
ومع ذلك، يتوقع الاقتصاديون أن يرتفع التضخم إلى حوالي 2.7% في عام 2026 حيث تنفد مخزونات الشركات المجمعة قبل فرض التعريفات. تشير تقديرات بنك جولدمان ساكس إلى أن تأثير التعريفات على التضخم سيكون حوالي 0.9 نقطة مئوية فقط، حيث ستتحمل الشركات 0.3 نقطة مئوية من هذا.

الدرس الأوسع
على الرغم من التأثيرات السلبية الموثقة، أظهرت التجارة العالمية مرونة مذهلة. نمت قيمة التجارة العالمية بنسبة 7% في عام 2025 لتتجاوز 35 تريليون دولار. تحولت الشركات والدول إلى استراتيجيات بديلة - إعادة توجيه التجارة، والبحث عن موردين جدد، وإعادة تكييف سلاسل الإمداد - مما أدى إلى تقليل الأثر السلبي للتعريفات.
في الختام، فإن التعريفات الأمريكية لعام 2025 شكلت منعطفًا حادًا في السياسة التجارية العالمية، مع آثار معقدة ومتناقضة: ارتفاع الأسعار في الأسواق الأمريكية، بينما خلقت ضغوطًا انكماشية على الأسعار العالمية؛ فقدان وظائف أمريكية، لكن مع تكيف سريع للعاملين في سلاسل الإمداد. كانت الدول النامية والدول المستوردة للغذاء من أكثر المتضررين، لكن حتى اقتصاديات متقدمة مثل الاتحاد الأوروبي وكندا واجهت تحديات كبيرة.