كأس العالم 2026: توسعة 48 منتخبًا… من المستفيد الحقيقي ومن يدفع الثمن؟
كأس العالم 2026: بعيداً عن العواطف.. هل نحن أمام "كارثة" كروية أم "ثورة" ضرورية؟ (رأي شخصي)
منذ اللحظة التي أُعلن فيها عن زيادة عدد المنتخبات إلى 48 في مونديال 2026، والنقاشات لا تتوقف في المجالس الرياضية وعلى منصات التواصل أجد نفسي وسط هذا الضجيج مبتسماً بسخرية، لأن النقاش أصبح "مريحاً" أكثر مما ينبغي.
المؤيدون يرفعون شعارات وردية عن "الشمولية"، والمعارضون يتباكون على “موت كرة القدم” لكن بصفتي متابعاً شغوفاً لهذه اللعبة منذ عقود، أدرك أن الحقيقة دائماً تهرب من التطرف لتسكن في المناطق الرمادية.
دعوني أكون صريحاً معكم: التوسعة ليست كارثة تاريخية كما يصورها البعض، لكنها بالتأكيد ليست الإنجاز الرياضي "النبيل" الذي تحاول الفيفا بيعه لنا. هي قرار رمادي، وخطورته الحقيقية التي ألمسها كمشجع ليست في الرقم 48، بل في كيفية تبرير هذا الرقم.
الوجه الآخر لشعار "الكرة للجميع": هل النوايا الحسنة تكفي؟
عندما أسمع حديث المؤيدين عن منح الفرصة للمنتخبات الصغيرة، يتخاطب هذا مع جانبي العاطفي الذي شجع المغرب في 2022 وكوستاريكا في 2014 لكن سرعان ما يصطدم هذا العاطفة بالواقع الفني الذي أعايشه.
هل بطاقة التأهل تعني التطور؟
سألت نفسي هذا السؤال كثيراً: هل مجرد منح منتخب متواضع بطاقة للظهور في المونديال يعتبر تطويراً للعبة؟ تجربتي كمشاهد تقول العكس "التطوير" لا يحدث في شهر البطولة أمام الكاميرات، بل يحدث في السنوات الأربع المظلمة التي تسبقها، في ملاعب التدريب والبنية التحتية.
تحويل كأس العالم إلى "جائزة ترضية" أو أداة تعويض معنوي هو تبسيط مخل لمشكلة أعمق أخشى أننا سنشاهد مباريات أشبه بحصص تدريبية من طرف واحد، وحينها لن يشفع لنا شعار "الكرة للجميع" من الملل الذي سيقتل حماسنا أمام الشاشات.
للمعارضين أقول: الحنين إلى الماضي ليس حجة كافية
في المقابل، أجلس مع أصدقائي المعارضين الذين يتحدثون عن نظام الـ 32 منتخباً وكأنه نص مقدس نزل من السماء. والحقيقة التي يجب أن نعترف بها جميعاً – حتى وإن كانت مؤلمة – هي أن ذاكرتنا انتقائية.
الذاكرة الخادعة للمشجع
دعونا لا نخدع أنفسنا؛ حتى في النسخ "الذهبية" السابقة، لقد عانينا من الملل. أتذكر مباريات في دور المجموعات كنت أكافح فيها لعدم النوم، ومجموعات حُسمت حسابياً قبل أن تبدأ الجولة الأخيرة. الفارق الوحيد أننا "اعتدنا" ذلك النظام، والآن نحن نخاف من المجهول أكثر مما نخاف على الجودة بحد ذاتها. نحن لا ندافع عن الجودة بقدر ما ندافع عن "عاداتنا" في المشاهدة.
الحقيقة غير المريحة: نحن لسنا محور اهتمام الفيفا
سواء كنت مؤيداً أو معارضاً، هناك حقيقة قاسية أدركتها بعد سنوات من متابعة كواليس الفيفا: أنا وأنت لسنا في المعادلة.

القرار لم يُتخذ لأنني أريد مشاهدة مباريات أكثر، ولا لأنك تريد بطولة نخبوية. المعادلة بسيطة وباردة:
- نفوذ سياسي أكبر.
- أسواق استهلاكية جديدة.
- عوائد مالية أضخم.
كرة القدم مجرد "عنصر" داخل منتج تجاري ضخم، والجديد في 2026 هو أن هذا التوجه أصبح فجاً وأقل خجلاً من أي وقت مضى.
الخطر الحقيقي الذي يهدد متعتنا: “تطبيع الرداءة”
مشكلتي الشخصية مع رقم 48 ليست في العدد نفسه، بل في الفلسفة التي تروج لفكرة أن "الأكثر" يعني تلقائياً "الأفضل".

كم من الجودة سنضحي بها؟
الخطر الذي أستشعره هو أن نعتاد كمشاهدين على دور مجموعات "بارد"، بلا رهانات حقيقية، بلا تلك اللحظات التي نمسك فيها الآلات الحاسبة وتخفق قلوبنا مع كل هجمة في الدقائق الأخيرة الخطر هو أن يُطلب منا التصفيق لمباريات تحصيل حاصل باسم "التطوير".
خلاصة القول
التوسعة لن تقتل كأس العالم، ولن تنقذ كرة القدم. لكنها تكشف بوضوح أن البطولة لم تعد تُدار بروح رياضية خالصة.
السؤال الحقيقي الذي أطرحه عليكم، والذي لا يريد أحد مواجهته بصدق:
كم من جودة كرة القدم نحن مستعدون للتنازل عنه مقابل توسيع رقعة المشاركة؟
هذا هو السؤال الذي يتهرب منه المؤيدون، ولا يملك المعارضون إجابة شجاعة عنه أما أنا، فسأنتظر صافرة البداية في 2026، وكلي أمل أن تخيب كرة القدم ظنوني المتشائمة، وتنتصر المتعة كما تفعل دائماً في اللحظات الأخيرة.