مصر علي مفترق الطاقة
ما هي خريطة الطاقة المقبلة في مصر؟
في توقيت يبدو حساسًا سياسيًا واقتصاديًا، تتحرك مصر بقوة في ملف الطاقة، واضعة أمامها هدفًا استراتيجيًا واضحًا: التحول إلى مركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط.
اتفاقيات ضخمة، ومزايدات عالمية، وتحركات إقليمية تؤكد أن الدولة تراهن على الغاز الطبيعي كرافعة اقتصادية جديدة.
لكن في المقابل، تتصاعد تساؤلات مشروعة:
لماذا تتكرر انقطاعات الكهرباء؟
ولماذا ترتفع فواتير الغاز والكهرباء بهذا الشكل؟
وكيف نُصدّر ما لا يكفي الداخل؟
تحركات الدولة واستراتيجية التوسع في الغاز
في نهاية يوليو، أعلنت الحكومة عن اتفاق جديد مع شركتي إيني الإيطالية وبي بي البريطانية لاستكشاف الغاز في مناطق بحرية بشرق المتوسط وبحيرة التمساح.
الاتفاق يفتح الباب أمام استثمارات كبيرة في قطاع الطاقة، ويعيد مصر إلى دائرة الضوء كمصدر محتمل ومستقر للطاقة في الإقليم.
كما أعلنت وزارة البترول عن مزايدة دولية على 12 منطقة استكشاف جديدة، من بينها مواقع استراتيجية في البحر الأحمر، ما يعكس خطة طموحة لاستغلال الموارد الطبيعية.
هذه الخطوات لا تمثل مجرد استثمارات اقتصادية فقط، بل رسائل واضحة بأن مصر تمتلك أوراقًا قوية في سوق الطاقة، وتسعى لتوظيف موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية المتطورة لخدمة السوقين المحلي والدولي.
المواطن بين وعود التصدير وضغوط الواقع
في المقابل، يشعر المواطن بضغط متزايد، خاصة مع تكرار انقطاعات الكهرباء في مناطق متعددة خلال شهري يوليو وأغسطس، إلى جانب الارتفاع الملحوظ في أسعار الغاز المنزلي وفواتير الكهرباء.
البيوت التي انتظرت استقرارًا في الطاقة بعد وعود طويلة، وجدت نفسها أمام واقع مربك؛ فلا مؤشرات واضحة، ولا خدمات مستقرة، ولا تفسير مقنع للفجوة بين ما يُعلَن رسميًا وما يُعاش يوميًا.
تصدير الطاقة هدف مشروع…
بشرط التوازن يُعد توسيع دور مصر في تصدير الطاقة هدفًا مشروعًا وطبيعيًا في ظل المتغيرات العالمية، خاصة مع تزايد الطلب الأوروبي على بدائل للغاز الروسي، وتحول المنطقة إلى ساحة تنافس إقليمي على النفوذ الطاقي.
لكن هذا الطموح لا يكتمل إذا غاب التوازن؛ فمن غير المنطقي أن يشعر المواطن في الداخل بنقص في الخدمة، في الوقت الذي تُعلَن فيه أرقام التصدير والاستكشاف.
تحقيق المكاسب على مستوى الصفقات يجب أن يوازيه تحسن حقيقي في مستوى المعيشة اليومية، من إنارة مستقرة، إلى فواتير في المتناول، إلى إحساس بالعدالة في توزيع الموارد
الطاقة بين الأمن القومي والعدالة الاجتماعية
تمتلك مصر فرصة نادرة لإعادة بناء دورها الإقليمي من خلال الطاقة، لكن ما سيصنع الفارق الحقيقي ليس فقط حجم ما يُستخرج من الغاز أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل مدى انعكاس هذه الإنجازات على حياة الناس.
حين يشعر المواطن أن الكهرباء لا تنقطع، وأن السعر في المتناول، وأن الغاز في بيته قبل أن يكون على السفن، فقط حينها يمكن القول إن مصر تسير في الاتجاه الصحيح.
فالطاقة اليوم لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبحت عمقًا استراتيجيًا يتقاطع مع الأمن القومي والعدالة الاجتماعية معًا.
في النهاية،
تقف مصر اليوم عند لحظة فارقة في ملف الطاقة؛ لحظة تتداخل فيها التحديات مع الفرص، وتفرض التحولات الإقليمية والدولية واقعًا جديدًا لا يحتمل التردد.

فالاختيار لم يعد بين الاستمرار أو التغيير، بل بين إدارة ذكية للموارد وتعظيم العائد منها، أو دفع تكلفة التأخر عن ركب التحول العالمي للطاقة.
وما تمتلكه مصر من موقع استراتيجي، وبنية تحتية، وإمكانات بشرية، يؤهلها لأن تكون لاعبًا محوريًا في خريطة الطاقة المقبلة، إذا ما أُحسن توظيف القرار، وتكاملت الرؤية، وتحول التخطيط من رد الفعل إلى استباق المستقبل.