تسليح إثيوبيا: واشنطن تشعل الصراع في القرن الافريقي

تسليح إثيوبيا: واشنطن تشعل الصراع في القرن الافريقي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 يساهم قرار واشنطن بإنهاء حظر تصدير السلاح إلى إثيوبيا في تصعيد التوترات الإقليمية، متجاوزا حدود القرن الإفريقي ليؤثر بشكل مباشر على أمن مضيق باب المندب. ويبدو أن هذا القرار يكمل سلسلة الأزمات المحيطة بالممرات المائية الحيوية، خاصة أنه يتزامن مع الاضطرابات في مضيق هرمز والضغوط الاقتصادية العالمية الناجمة عن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

هذا القرار يحمل دلالات استراتيجية وعسكرية تتجاوز مجرد السماح ببيع المعدات الحربية لأديس أبابا، حيث تسعى واشنطن إلى استعادة إثيوبيا كحليف محوري في منطقة القرن الأفريقي، ومنع "انجرافها الكامل" نحو تحالفات بديلة مع قوى مثل روسيا أو تركيا أو الصين، والتي سدت الفجوة التسليحية خلال فترة الحظر.

image about تسليح إثيوبيا: واشنطن تشعل الصراع في القرن الافريقي

أما البعد الأخطر في القرار، فهو أنه يعزز من قدرة إثيوبيا على المناورة في سعيها للحصول على منفذ بحري، وهو الملف الذي يثير قلق جيرانها في المنطقة. فلا يمكن أن يكون القرار الأمريكي بمعزل عن الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية "أرض الصومال" التي تدعمها إثيوبيا وترى فيها الطريق إلى منفذ إلى البحر الأحمر.

رغم أن واشنطن لم تعترف رسمياً بأرض الصومال، إلا أن تحركاتها قد تتماهى مع الخطوات الإسرائيلية، بحيث تقوم تل أبيب بالدور "الدبلوماسي الجريء" عبر الاعتراف لكسر الجمود، بينما تقوم الولايات المتحدة بالدور "العسكري" عبر تسليح إثيوبيا، لدعم هذا التوجه الجديد.

حيث تتبلور حالياً ملامح تحالف استراتيجي غير معلن يضم (إثيوبيا - إسرائيل - أرض الصومال) بدعم من واشنطن، وهو ما بات يُعرف بـ "محور بربرة". هذا المحور يمنح إسرائيل موطئ قدم لمواجهة التهديدات في البحر الأحمر (خاصة من جهة الحوثيين وإيران)، كما أنه يأتي ضمن رؤية نتنياهو التي طرحها في فبراير الماضي لمواجهة الخصوم الإقليميين.

التطورات الأخيرة تمثل "تحدياً مركباً" للأمن القومي المصري، كونه يمس مباشرة أمن البحر الأحمر، ملف مياه النيل، والسيادة الصومالية.

ويمكن رصد استراتيجية القاهرة للتعامل مع هذا التطور عبر الانتقال من الدعم الدبلوماسي إلى الحضور العسكري الفعلي في الصومال لموازنة النفوذ الإثيوبي-الإسرائيلي، كما وسعت مصر مهام بعثتها العسكرية في مقديشو (ضمن قوات الاتحاد الأفريقي) لتشمل حماية مؤسسات الدولة الصومالية، كرسالة ردع ضد أي محاولة لفرض "أمر واقع" جديد في أرض الصومال. فضلاً عن أنها كثفت تقديم شحنات الأسلحة النوعية والتدريب للقوات الصومالية لتمكينها من السيطرة على سواحلها، مما يعرقل طموحات إثيوبيا في إنشاء قاعدة بحرية دائمة في بربرة.

وفي ظل التنسيق والتعاون مع تركيا، التي تمتلك قاعدة "تركسوم" في مقديشو، تسعى القاهرة لخلق "حائط صد" في خليج عدن يمنع تحول ميناء بربرة إلى مركز استخباراتي أو لوجستي يعيد رسم حركة الملاحة بعيداً عن قناة السويس.

وفعليا تتعامل القاهرة مع قرار واشنطن كأداة ضغط في ملف سد النهضة، وسبق أن قدمت عرضاً لتسهيل وصول إثيوبيا "تجارياً" للبحر الأحمر عبر موانئ جيبوتي وإريتريا، مقابل إظهار أديس أبابا مرونة حقيقية في اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، لكنها في الوقت نفسه ما زالت منفتحة على استخدام جميع خياراتها فيما يتعلق بأي تهديد يمس ولو قطرة واحدة من حصتها في مياه نهر النيل.

ويبدو من تسارع الأحداث، أن المنطقة باتت أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتأرجح بين الاستقرار الهش والانفجار الإقليمي.

السيناريو الأول: أن تنجح القوى الإقليمية في منع نشوب حرب شاملة من خلال خلق موازين قوى متعادلة عبر المحاور التي تتشكل للحؤول دون دخول إثيوبيا في مغامرة غير مدروسة بغزو مباشر لإريتريا أو الصومال. والنتيجة في هذه الحالة ستكون استمرار التوتر الدبلوماسي وتصاعد سباق التسليح في القرن الافريقي.

السيناريو الثاني: وهو يفترض قيام إثيوبيا على سبيل المثال بخطوة عملية لإنشاء قاعدة عسكرية في بربرة بناءً على مذكرة التفاهم، مما يدفع الصومال (بدعم مصري وتركي) لمحاولة فرض سيادته عسكرياً على الإقليم المنفصل. والنتيجة، الدخول في صراع بالوكالة، وتضرر حركة الملاحة العالمية بشكل قد يتجاوز أزمة الحوثيين الحالية.

السيناريو الثالث: هو الذي تعول عليه واشنطن من خلال استراتيجية "تقاسم الأعباء". حيث تدرك أن إعادة تسليح إثيوبيا مشروط بمكافحة الإرهاب (حركة الشباب) فقط، مما يضطرها لتقديم تنازلات في ملفات أخرى لضمان الاستقرار. أي منح إثيوبيا "حقوق استخدام تجارية" في البحر الأحمر، مقابل مرونتها في ملف سد النهضة لتهدئة القاهرة. والنتيجة المتوقعة، هي تبريد الصراعات مؤقتاً، مع تجميد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كـ "حالة استثنائية"، مثل قبرص التركية.

علي كل حال فان ما يحدث في القرن الافريقي، لا يمكن فصله عما يحدث في مضيق هرمز، فكلاهما يمثلان خط المرور الأقصر والاقل كلفة لايصال شحنات الغاز والنفط الي أوروبا عبر قناة السويس، وهما أيضا يشكلان معا جزء مهم من الحرب على المضائق الجارية الان.

وقبل ايام أشارت التقارير إلى زيادة كبيرة في الوجود الإيراني المباشر في اليمن، لاحكام سيطرتها على مضيق باب المندب، وإظهار قدرتها على خنق التجارة العالمية وإمدادات الطاقة لفرض كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة على الغرب وواشنطن.

المؤكد أن التحرك الأمريكي تجاه إثيوبيا لم يكن مجرد إجراء فني، بل هو "إعادة تأهيل" لمحور تقوده واشنطن وتل أبيب في مواجهة النفوذ الصيني والإيراني. وسيؤدي هذا إلى عسكرة البحر الأحمر الذي سبق وحذرت منه مصر أكثر من مرة، مما يجعل الأمن القومي المصري والسعودي في حالة "استنفار دائم" للحفاظ على توازن القوى في الجنوب.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
معتز ابو سمرة صحفي تقييم 4.98 من 5.
المقالات

13

متابعهم

29

متابعهم

23

مقالات مشابة
-