الحرية في عصر السجون غير المرئية

الحرية في عصر السجون غير المرئية

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

_الحرية في عصر السجون غير المرئية  
_image about الحرية في عصر السجون غير المرئيةمن التحرر من الآخرين إلى التحرر من العجز

في زمن ليس بعيدًا، كان مفهوم الحرية واضحًا نسبيًّا: أن يتركك الآخرون وشأنك، ألا يسجنك حاكم، ألا يمنعك جيش أجنبي من العيش في أرضك، ألا يفرض عليك قانون ظالم ما تريد قوله أو فعله. هذه هي الحرية السلبية التي دافع عنها الفلاسفة الليبراليون الكلاسيكيون، وأبرزهم إشعيا برلين في مقاله الشهير «مفهومان للحرية» (1958). الحرية هنا تعني: غياب التدخل المباشر من الآخرين. أنت حر طالما لا أحد يضع يده على كتفك ويمنعك.

لكن الزمن تغير، وتغيرت معه أشكال السيطرة. لم تعد القيود دائمًا تأتي من شرطي أو جندي أو ديكتاتور يصدر أوامر مباشرة. اليوم، يمكن أن تعيش في بلد يُكفل لك دستوريًّا حرية التنقل والعمل والتعبير، ومع ذلك تشعر أنك داخل سجن لا جدران له. سجن من نوع آخر: سجن عدم القدرة، سجن الحرمان البنيوي.

تخيّل شابًّا حاصلًا على إجازة جامعية، يحلم بتطوير مشروع صغير أو السفر للتخصص أو حتى علاج والدته بشكل لائق. القانون لا يمنعه، لا أحد يضعه في زنزانة، لكن الواقع يغلق كل الأبواب: لا رأس مال، لا فرص عمل حقيقية، لا بنية تحتية صحية أو تعليمية كافية، أسعار مرتفعة، بطالة مزمنة. هل هذا الشاب حر فعليًّا؟

هنا يظهر مفهوم آخر للحرية، أقرب إلى ما سماه الفيلسوف والاقتصادي أمارتيا سن بـ«نهج القدرات» (Capability Approach). الحرية الحقيقية ليست مجرد غياب العوائق الخارجية، بل هي القدرة الفعلية على فعل ما له قيمة في حياتك، على تحقيق ما تريده وتعتبره يستحق العيش من أجله. الفقر، في هذا المنظور، ليس مجرد نقص في المال، بل هو حرمان من القدرات الأساسية: القدرة على التعلم الجيد، على التمتع بالصحة، على المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، على اتخاذ قرارات حقيقية بشأن مصيرك.

ومن أبرز أشكال هذا الحرمان في بلداننا: نموذج الدولة الريعية، حيث تعتمد الدولة على عوائد ريعية (غالباً من النفط أو الموارد الطبيعية) لتمويل الإنفاق العام، فتوزع الثروة عبر وظائف حكومية واسعة أو إعانات اجتماعية مباشرة. هذا النموذج يبدو سخيًّا في ظاهره، لكنه يقيد الحرية الاقتصادية الحقيقية بشكل عميق. فالدولة، بما أنها تملك مصدر الثروة الرئيسي، تصبح المسيطر الوحيد على فرص الكسب. لا يُترك مجال واسع لخلق فرص أخرى عبر تحرير التجارة، توسيع الصناعة الحقيقية، أو تشجيع الريادة الخاصة. نتيجة لذلك، يصبح الفرد محدود الخيارات: إما أن يعتمد على الوظيفة الحكومية (التي قد تكون شحيحة أو مشروطة)، أو على الإعانات (التي تجعله تابعًا لقرارات الدولة)، أو يبقى عاطلاً في انتظار "الفرصة" من الدولة نفسها.

هذا الاعتماد يحرم الفرد من حرية أساسية: حرية اختيار وتغيير طريقة كسبه للعيش. عندما تكون الدولة هي "المالك الوحيد" للمورد الرئيسي، فإنها تملك أيضًا القدرة على التحكم في حياة مواطنيها اقتصاديًّا، حتى لو لم تكن قمعية سياسيًّا بشكل مباشر. الكثرة في فرص الكسب الحقيقية (من خلال اقتصاد متنوع ومنتج) هي ما يحرر الإنسان فعليًّا من سيطرة الدولة على مصيره المالي، ويمنحه استقلالية حقيقية.

في بلدان كثيرة – ومنها بعض الدول العربية – يعيش ملايين داخل هذا السجن غير المرئي. الشاب الذي يرى أقرانه في بلدان أخرى يبدؤون حياتهم المهنية في العشرينيات، بينما هو ينتظر «منصبًا» أو «واسطة» حتى الأربعين، ليس سجينًا بسبب قمع سياسي مباشر دائمًا، بل بسبب نظام اقتصادي واجتماعي يحرم معظم الناس من أدوات الفعل. الهجرة غير الشرعية (الحرقة) ليست مجرد رغبة في «حياة أفضل»، بل هي صرخة ضد سجن عدم الإمكانيات: الإنسان يفضّل المخاطرة بالموت على البقاء في مكان لا يسمح له بأن يكون إنسانًا بمعنى الكلمة.

الحرقة، في أعمق دلالاتها، ليست مجرد عبور حدود مادية أو رحلة مخاطرة نحو المجهول. إنها فعل تمرد وجودي، رفض صارخ للسجن غير المرئي الذي يحاصر الإنسان في عجزه عن الفعل والتحقيق. في هذا السجن، تظل الحرية السلبية موجودة شكليًّا: لا قيود قانونية مباشرة تمنعك من السعي إلى ما تريد، لكن الحرية الإيجابية – أي القدرة الفعلية على تشكيل حياتك واختيار مسارك – تُسلب تمامًا. الإنسان يبقى محبوسًا داخل عدم الإمكان، داخل نظام يمنحه حقوقًا نظرية بينما يحرمه من أدوات تحويلها إلى واقع ملموس. الحرقة تصبح، إذن، هروبًا من هذا السجن البنيوي؛ ليست هروبًا من الوطن فحسب، بل من حالة الانتظار الأبدي، من التبعية للعجز، من الشعور بأن الوجود مجرد بقاء دون معنى أو إرادة. الشخص الذي يختارها يقرر، بجسده ومخاطرته بحياته: "أفضل الموت وأنا أحاول استعادة سيادتي على مصيري، على أن أعيش محكومًا بالعجز والفراغ". هذا الفعل يحمل بعداً كامناً من التمرد الوجودي – كما في فكر كامو أو سارتر – حيث يصنع الإنسان معنى حياته من خلال اختياره الحاسم، حتى لو كان الاختيار يائسًا أو مميتًا. إنه رفض للعبث المفروض، محاولة لاستعادة الكرامة في مواجهة واقع يُحوّل الإنسان إلى كائن مفعول به، لا فاعل. لذلك، الحرقة ليست نهاية الحرية، بل – رغم مأساتها – محاولة يائسة لاستعادة الحرية التي سُلبت باسم الاستقرار أو الريع أو "الواقع". إنها صرخة ضد القمع غير المرئي الذي يقمع الإنسان في جوهره: في قدرته على أن يكون حرًّا فعليًّا، لا مجرد حيًّا.

هذا لا يعني أن الحرية السلبية أصبحت غير مهمة. لا تزال الديكتاتوريات والقمع السياسي والرقابة موجودة، ومحاربتها ضرورية. لكن الدرس الكبير في عصرنا هو أن الحرية الكاملة تحتاج إلى الجمع بين الاثنين:

- حرية من التدخل (لا أحد يمنعك).  
- وحرية للفعل (تملك الوسائل والفرص لتفعل ما تريد).

الدولة والمجتمع مسؤولان عن كسر هذه السجون غير المرئية: من خلال سياسات تعليمية حقيقية، تشغيل لائق، عدالة في توزيع الثروة، بنية تحتية تعطي الناس أدوات الإمكان لا مجرد وعود، وأهم من ذلك: الانتقال التدريجي من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي متنوع يوسع خيارات الأفراد ويقلل من تبعيتهم للدولة. لأن الإنسان الذي يملك كل الحقوق النظرية ولا يملك القدرة على استخدامها، ليس حرًّا – إنه مجرد سجين يُسمح له بالنظر من النافذة.

ختامًا:  
الحرية لم تعد مجرد «تركنا وشأننا». إنها أيضًا – وربما أساسًا – أن نمنح بعضنا بعضًا أدوات الحياة الكريمة، وأن نحرر أنفسنا من سيطرة الريع التي تجعل الدولة "المانح" الوحيد. فمن لا يستطيع أن يفعل ما يريد، ليس حرًّا حتى لو رفع الجميع أيديهم عنه. السؤال المفتوح الذي يطرح نفسه اليوم: هل يمكن أن نكون أحرارًا حقًّا في عالم يقيّدنا بحاجتنا – أو بريع دولتنا – أكثر مما يقيّدنا بقوانينه؟.

بقلم شلالي عمر

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
chellali omar تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.