حين تزول الذرائع و تبقى القوة

حين تزول الذرائع و تبقى القوة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about حين تزول الذرائع و تبقى القوة

حين تزول الذرائع و تبقى القوة

من أوكرانيا إلى طهران ومن موسكو إلى تل أبيب
منذ نهاية الحرب الباردة، لم يعرف العالم لحظة فراغ حقيقي في ميزان القوة.
سقوط الاتحاد السوفييتي لم ينه الصراع، بل أعاد إنتاجه بأشكال أقل صخبا وأكثر دهاء. انتقلت الحروب من الجبهات الواضحة إلى مناطق رمادية، ومن الشعارات الكبرى إلى الصفقات الصامتة، ومن الجيوش الجرارة إلى الاستنزاف الطويل.
وفي هذا السياق، لم تكن الحرب في أوكرانيا مجرد نزاع حدودي، كما لم تكن إيران مجرد دولة متمردة، ولم تكن إسرائيل مجرد كيان يبحث عن أمنه. نحن أمام نظام عالمي يعاد تشكيله، حيث لا يقاس الانتصار بالخرائط وحدها، بل بالقدرة على الصبر، وإدارة الخسائر، واختيار المعارك.

أولا: روسيا القوة التي لم تقل كلمتها الأخيرة
رغم كل ما قيل عن إنهاك روسيا في أوكرانيا، فإن الواقع يشير إلى حقيقة أبسط وأخطر:
روسيا لم تستخدم كامل قوتها.
لم تعلن تعبئة شاملة، لم تغلق اقتصادها، لم تحول المجتمع إلى حالة حرب وجودية، ولم تستخدم أدوات الردع القصوى. ما فعلته موسكو هو إدارة حرب استنزاف محسوبة، سقفها أقل من القدرة القصوى، وهدفها ليس الحسم السريع بل كسر الخصم على المدى الطويل.
وميدانيا، ورغم الخسائر، استطاعت روسيا:
تثبيت سيطرتها على أراض استراتيجية
فرض إيقاع المعركة
تحويل الزمن إلى سلاح
وهو ما يجعلها، حتى اللحظة، الرابح بالنقاط لا بالضربة القاضية.

ثانيا: أوكرانيا الخسارة الأكبر ليست الأرض
أوكرانيا دفعت ثمنا باهظا، ليس فقط في الأرواح والمعدات، بل في بنيتها المجتمعية والاقتصادية.
الدعم الغربي، رغم ضخامته، لم يترجم إلى اختراق استراتيجي حاسم، بل إلى قدرة على الصمود فقط.
والصمود، في حروب الاستنزاف، لا يكفي دائما.
فالدولة التي تعتمد على الخارج في السلاح والتمويل والقرار، تدخل الحرب وهي تعلم أن سقفها ليس بيدها.

ثالثا: فنزويلا ليست أوكرانيا ولا صفقة مكتوبة
سقوط نظام مادورو إن حدث لا يعني تلقائيا تقدما روسيا أو تراجعا غربيا في أوكرانيا.
لكن السؤال الأهم ليس: هل هناك صفقة؟
بل: هل هناك تفاهم ضمني على عدم تفجير كل الساحات؟
الجواب: نعم، إلى حد ما.
ليس لأن القوى الكبرى متصالحة، بل لأنها تدرك أن الصدام الشامل لم يعد مجديا.
وهكذا تدار النزاعات اليوم:
ساحة تترك، وساحة تضغط، وساحة تجمد دون إعلان اتفاق.

رابعا: إيران النظام الذي يهتز ولا يسقط بسهولة
إيران تعيش أخطر أزمة شرعية منذ 1979، لكن الأنظمة العقائدية لا تسقط عند أول زلزال.
ما يهدد طهران ليس الاحتجاج وحده، بل:
الإنهاك الاقتصادي
تآكل الخوف
تشققات داخل النخبة
ومع ذلك، فإن سقوط إيران إن حدث لن يكون خبرا بسيطا للمنطقة، ولا نصرا نظيفا لأي طرف.

خامسا: تركيا المستفيد الحذر
تركيا قد تكون أكبر المستفيدين نظريا من تراجع إيران:
في العراق
في سوريا
في القوقاز
في آسيا الوسطى
لكن أنقرة لا تريد إيران منهارة، بل إيران أضعف.
الفوضى على حدودها الشرقية، وملف الأكراد، واحتمال التفكك، كلها كوابيس استراتيجية.
السياسة التركية، كعادتها، تفضل:
كسر الخصم دون إسقاط الدولة

سادسا: إسرائيل معضلة الدولة بلا عدو
هنا نصل إلى جوهر المسألة.
إسرائيل دولة بنيت على فكرة الخطر الوجودي.
وجود عدو مركزي جامح ليس تفصيلا في عقيدتها، بل عنصر تماسك داخلي.
سقوط إيران أو تحييدها يضع إسرائيل أمام معضلة:
من يملأ فراغ العدو؟
وكيف تدار دولة أمنية بلا خطر خارجي كبير؟
في غياب العدو:
ينكشف الصراع الداخلي
يعود الاحتلال إلى الواجهة
تتحول القضية الفلسطينية من ملف أمني إلى عبء أخلاقي قانوني
وهو ما تخشاه تل أبيب أكثر من أي صاروخ.

سابعا: الشرق الأوسط بلا عدو جامح
شرق أوسط بلا إيران ثورية، ولا حرب شاملة مع إسرائيل، لن يكون جنة.
لكنه سيكون:
أقل قابلية للتوظيف الأيديولوجي
أكثر انكشافا للأنظمة
وأقرب إلى صراعات محلية، سياسية، باردة
في هذا الشرق الأوسط:
لا محور مقاومة جامع
ولا شرطي إقليمي واحد
بل شبكات مصالح، وتوازنات هشة
العالم لا يتجه إلى السلام، بل إلى إدارة دائمة للصراع.
والشرق الأوسط لا يخرج من الحروب، بل يبدل لغتها وأدواتها.
روسيا لم تهزم، لكنها تغيرت.
إيران لم تسقط، لكنها تهتز.
تركيا تتمدد، لكنها تحسب الخطوات.
وإسرائيل، للمرة الأولى منذ عقود، قد تضطر إلى مواجهة سؤال لم تحبه يوما:
كيف تكون دولة قوية بلا عدو؟
في زمن ما بعد العدو، لا تقاس الدول بقدرتها على القصف،
بل بقدرتها على تحمل الحقيقة حين تزول الذرائع

✍️ كمال طحان


#فنزويلا #روسيا
#اوكرانيا #اسرائيل
#ايران

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.