أشباح الجبل: لغز "كهف الصاعقة" الذي أبكى رمال سيناء
أشباح الجبل: لغز "كهف الصاعقة" الذي أبكى رمال سيناء

سيناء ليست مجرد رمال وجبال، بل هي مستودع لأسرار الرجال الذين رفضوا الانكسار. وفي عام 1984، وبينما كانت سيناء تتنفس الحرية، كشف جبل كاترين عن سرٍ كان مخبأً بين صخوره الوعرة لمدة 15 عاماً. لم يكن كنزاً من الذهب، بل كان أثمن؛ عشرة أجسادٍ طاهرة ارتدت بزة "الصاعقة المصرية"، استندت إلى جدران كهف مهجور، ممسكة بأسلحتها وكأنها تنتظر أمر العمليات القادم.
المهمة: اختراق المستحيل
بدأت الملحمة في نيسان/أبريل من عام 1969، في قلب "حرب الاستنزاف". لم تكن المهمة اعتيادية، بل كانت "انتحارية" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. صدرت الأوامر لمجموعة من 10 أبطال بعبور البحر من سفاجا إلى عمق سيناء المحتلة. الهدف؟ تدمير قاعدة صواريخ إسرائيلية استراتيجية مختبئة في قلب الجبل، والأهم من ذلك: "خطف" رأس صاروخ حديث لم تكن المخابرات المصرية قد حصلت على تفاصيله التقنية بعد.
بقلوب مؤمنة، عبروا البحر ودخلوا عرين الأسد. نجح الأبطال في زرع المتفجرات، وفي لحظة سينمائية، قام الملازم "ميشيل المصري" بفك رأس الصاروخ تحت وابل من رصاص العدو. انفجرت القاعدة، وتحولت إلى جحيم خلف مئات القتلى والجرحى في صفوف الاحتلال، وبدأ الأبطال رحلة الانسحاب حاملين "السر العسكري" الثمين.
الحصار: صراع مع العطش والوقت
لم يمر النجاح دون ثمن. جن جنون العدو، وفُرض حصار جوي وبري خانق على المنطقة. وجد الأبطال أنفسهم مجبرين على الاحتماء بكهف سري بعدما قُطعت عليهم طرق العودة إلى القناة. هنا بدأت المعركة الحقيقية؛ معركة الجوع والعطش وضيق الحيلة.
أسبوعان كاملان قضاها الرجال داخل ظلام الكهف. نفد الماء، ونفد الطعام، لكن لم ينفد الكبرياء. كان بإمكانهم الاستسلام وتلقي العلاج والغذاء، لكن عقيدة الصاعقة كانت أقوى. "الموت بكرامة والسلاح في اليد" كان القرار الجماعي. في الكهف، كُتبت كراسة صغيرة وجدت بجوارهم، تروي اللحظات الأخيرة؛ كيف كانوا يتقاسمون قطرات الندى، وكيف كان الملازم يوصي بحماية رأس الصاروخ حتى لو فنيت المجموعة.
في عام 1984، عثر "عرب سيناء" في جبل كاترين على مشهدٍ أسطوري: عشرة جثامين لأبطال من الصاعقة المصرية داخل كهف مهجور. وجدوا بملابسهم العسكرية، أسلحتهم في أحضانهم، وبجوارهم "رأس صاروخ" إسرائيلي وكراسة تروي قصة "المستحيل".
المشهد الأخير: هيبة الموت
حين عثر "عرب سيناء" على الكهف في الثمانينيات، صُدموا من هيبة المشهد. لم تكن العظام مبعثرة، بل كان الأبطال مصطفين كأنهم في "طابور تمام". أسلحتهم في أحضانهم، وجلودهم جفت فوق عظامهم في بيئة الجبل الجافة، مما حافظ على ملامح وقفتهم البطولية. كان رأس الصاروخ الإسرائيلي يتوسطهم، كشاهد على نجاح مهمتهم التي لم يكتب لها الوصول إلى القيادة في وقتها، لكنها وصلت إلى التاريخ.
إن قصة "شهداء الكهف" هي تذكير بأن الجندي المصري لا يُقاس بمعداته، بل بصلابة روحه. هؤلاء الرجال لم يهزمهم العدو في ميدان القتال، بل اختاروا أن يكونوا حراساً لسيناء حتى بعد رحيلهم، لتظل رمالها شاهدة على أن "المستحيل" ليس مصرياً.