الاستراتيجية المصرية الكبرى: عقيدة "الغموض النشط" وإدارة التوازنات في إقليم مضطرب.

الاستراتيجية المصرية الكبرى: عقيدة "الغموض النشط" وإدارة التوازنات في إقليم مضطرب.

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about الاستراتيجية المصرية الكبرى: عقيدة


​الاستراتيجية المصرية الكبرى: عقيدة "الغموض النشط" وإدارة التوازنات في إقليم مضطرب.


​تعد السياسة الخارجية والأمنية المصرية في العقد الحالي نموذجاً فريداً لما يمكن تسميته بـ "الواقعية الاستباقية". في عالم يتسم بالسيولة الأمنية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبنت القاهرة نهجاً يمزج بين الصمت الاستراتيجي (الغموض) والتحرك الميداني الحاسم، مما جعل من الدولة المصرية لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن القومي العربي والإقليمي.


​أولاً: فلسفة "الغموض الاستراتيجي" المصري
​لطالما كانت السياسة المصرية تتسم بالرزانة، لكن "الغموض" هنا ليس غياباً للرؤية، بل هو أداة لردع الخصوم. تعتمد مصر سياسة "عدم كشف الأوراق" حتى لحظة التنفيذ، وهو ما رأيناه بوضوح في إدارة ملفات معقدة مثل الملف الليبي وخط "سرت - الجفرة" الأحمر.

​الردع الصامت: القدرة على حشد القوة دون التلويح بها لفظياً، مما يربك حسابات الأعداء والمخططات الخارجية.

​تعدد البدائل: الحفاظ على مسافة متساوية من القوى العظمى (واشنطن، موسكو، بكين) يمنح القرار المصري استقلالية تامة.


​ثانياً: النظرة الاستباقية للمخططات المعادية
​تدرك الدولة المصرية أن التهديدات الحديثة لم تعد تقليدية فقط (جيش مقابل جيش)، بل تشمل حروب الجيل الرابع والخامس، ومخططات تفتيت الدول من الداخل.


​1. تطويق الأزمات قبل وصولها
​تعتمد مصر استراتيجية "الدفاع من الخارج"، أي وأد التهديد في منبعه سواء كان إرهاباً عابراً للحدود في سيناء أو تهديداً للملاحة في البحر الأحمر.


​2. مواجهة "حروب الموارد"
​تعتبر قضية الأمن المائي والغذائي جزءاً لا يتجزأ من العقيدة العسكرية الجديدة. النظرة الاستباقية هنا تشمل تنويع مصادر الغذاء، وتحديث المنظومة العسكرية البحرية لحماية حقول الغاز في شرق المتوسط.


​3. لعبة التوازن بين "خلاف الحلفاء" و"فعل المناسب"
​تتقن الإدارة المصرية فن إدارة التقاطعات. قد تختلف مصر مع حليف استراتيجي في وجهات النظر تجاه ملف معين، لكنها تنجح في فصل الخلاف السياسي عن التعاون الأمني والمصالح القومية.


​الاستقلالية الاستراتيجية: مصر لا تنخرط في محاور ضيقة، بل تتحرك وفق بوصلة "المصلحة القومية العليا" فقط.


​الوساطة الفاعلة: تحول القاهرة إلى مركز ثقل للحلول السلمية (كما في غزة والسودان) يعزز من قوتها الناعمة والصلبة معاً.


​4.النهضة التصنيعية العسكرية (توطين التكنولوجيا)
​لم يعد الاعتماد على استيراد السلاح كافياً في ظل التقلبات الدولية. لذا، وضعت مصر خطة طموحة للتحول من "مستهلك" إلى "مصنع" ومن ثم "مصدر".
​توطين الصناعات الدفاعية
​تشهد المصانع الحربية والهيئة العربية للتصنيع ثورة في إنتاج:
​المدرعات: مثل عائلة المدرعات "ST-100" و"ST-500" التي أثبتت كفاءة عالمية.
​الطائرات بدون طيار (الدرونز): إنتاج طائرات مثل "نوت" و"30 يونيو" للاستطلاع والهجوم.
​الأنظمة الإلكترونية: توطين صناعة الرادارات وأنظمة الإشارة المتطورة.


​خامساً: الصفقات القادمة وتعزيز السيادة البحرية والجوية ​تتجه الأنظار نحو صفقات نوعية تهدف إلى إغلاق أي ثغرة في جدار الأمن القومي:
​تعزيز القوة البحرية: استكمال أسطول الغواصات والفرقاطات الحديثة (مثل فرقاطات الميكو والبيرجاميني) لتأمين مسرحي العمليات في الأحمر والمتوسط.


​تطوير القوات الجوية: الحديث عن صفقات محتملة لتدعيم السيادة الجوية بطائرات من الجيل الرابع المتقدم والجيل الخامس، مع التركيز على نقل تكنولوجيا التصنيع والصيانة محلياً.


​سادساً: التحديات الراهنة وسيناريوهات المواجهة (الدوائر الاستراتيجية الثلاث)

​تواجه الدولة المصرية تحديات غير مسبوقة تفرض عليها العمل في بيئة "عدائية مركبة"، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الصراعات الإقليمية على كافة الاتجاهات الاستراتيجية:

​الاتجاه الاستراتيجي الغربي (الأمن القومي الليبي):
تظل ليبيا عمقاً أمنياً حيوياً. نجحت القاهرة في تثبيت معادلة "سرت - الجفرة" كخط أحمر، والسيناريو القادم يركز على دعم الحل السياسي الليبي-الليبي مع الحفاظ على جاهزية القوات المسلحة للتدخل في حال تهديد الميليشيات للحدود الغربية.


​الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي (أمن النيل والسودان):
يمثل ملف سد النهضة والأزمة السودانية تحدياً وجودياً. تتبنى مصر هنا سياسة "النفس الطويل" مع تفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي والتعاون العسكري مع دول حوض النيل لتطويق أي محاولات لفرض الأمر الواقع.
​الاتجاه الاستراتيجي الشرقي (قضية فلسطين وأمن البحر الأحمر):


مع تصاعد التوترات في غزة والتهديدات في باب المندب، تبرز مصر كصمام أمان للملاحة الدولية. الاستراتيجية المصرية تعتمد على التوازن بين دعم الحقوق الفلسطينية وبين منع توسع دائرة الصراع بما يمس قناة السويس.


​سابعاً: القوة الناعمة كظهير للدبلوماسية العسكرية
​لا تكتمل "الاستراتيجية الكبرى" بدون القوة الناعمة. تعيد مصر صياغة دورها الإقليمي من خلال:
​المبادرات الإنسانية: تقديم المساعدات الطبية والغذائية للدول المنكوبة (سوريا، تركيا، غزة، السودان).
​الريادة الدينية والثقافية: دور الأزهر والكنيسة في مواجهة الفكر المتطرف وتعزيز قيم التسامح.
​المشاريع التنموية العابرة للحدود: مثل الربط الكهربائي مع أوروبا وإفريقيا، مما يجعل مصر "مركزاً إقليمياً للطاقة".


​ثامناً: رؤية 2030 والأمن القومي الشامل
​تؤمن القيادة السياسية بأن القوة العسكرية لا تستدام بدون اقتصاد قوي. لذا، تم ربط تطوير الجيش المصري بمسار التنمية الشاملة:

​تأمين الاستثمارات: وجود قوة عسكرية رادعة هو الضمان الوحيد لجذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعي الغاز والسياحة.

​البنية التحتية العملاقة: شبكة الطرق والموانئ الجديدة ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي "شرايين لوجستية" تخدم التحركات العسكرية السريعة عند الضرورة.


​الخاتمة: مصر كركيزة للاستقرار في "الشرق الأوسط الجديد"
​إن عقيدة "الغموض النشط" التي تتبعها القاهرة أثبتت نجاحها في تجنيب الدولة الانزلاق نحو صراعات استنزافية، مع الحفاظ على هيبة الدولة وقدرتها على فرض إرادتها في الوقت والمكان المناسبين. إن التحول نحو توطين التكنولوجيا العسكرية وتنويع التحالفات الدولية يضع مصر في مصاف القوى الإقليمية "الذكية" التي لا تكتفي برد الفعل، بل تصنع الفعل وتحدد ملامح المستقبل.
​الخلاصة: إن قوة مصر اليوم تنبع من قدرتها على الجمع بين "حكمة الدبلوماسية" و"حسم العسكرية"، مما يجعلها الرقم الصعب في أي معادلة تهدف لاستقرار منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Fares Alex تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.