الحرب المحتمله بين ايران و الولايات المتحدة الأمريكية
مقال :التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران: إلى أين تتجه المواجهة وما موقع إسرائيل في المشهد؟
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، يعود ملف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة الأحداث، مدفوعًا بتراكمات سياسية وأمنية لم تُحسم جذريًا منذ سنوات. وبين ضغوط العقوبات، والتحركات العسكرية غير المباشرة، وتبادل الرسائل الحادة، يظل السؤال المطروح: هل نحن أمام تصعيد عابر يمكن احتواؤه، أم أمام مرحلة جديدة تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط؟
خلفية تاريخية تعيد إنتاج الأزمة
لم يكن التوتر بين واشنطن وطهران وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار طويل من انعدام الثقة والصدامات غير المباشرة. وقد شكّل الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي نقطة تحول مفصلية، إذ أعاد العلاقات إلى مربع التصعيد الاقتصادي والسياسي. ومنذ ذلك الحين، دخل الطرفان في معادلة “الضغط مقابل الصمود”، حيث تسعى واشنطن إلى تقليص النفوذ الإيراني إقليميًا، بينما تعمل طهران على تثبيت حضورها الاستراتيجي وتعزيز أوراقها التفاوضية.

أدوات الضغط وحدود الردع
تعتمد الولايات المتحدة على منظومة متكاملة من العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية، مدعومة بحضور عسكري واسع في المنطقة. في المقابل، تتبنى إيران استراتيجية تقوم على الردع غير المتكافئ، مستفيدة من شبكة تحالفات إقليمية وأدوات تأثير غير تقليدية. هذه المعادلة تجعل الصراع أقرب إلى “حرب إرادات” بطيئة الإيقاع، تتجنب المواجهة الشاملة لكنها تبقي احتمالات الانفجار قائمة في حال وقوع خطأ في الحسابات.
سيناريو المواجهة المباشرة… احتمال قائم أم ورقة ضغط؟
رغم حدة الخطاب السياسي، يدرك الطرفان أن أي مواجهة مباشرة ستكون مكلفة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. فالولايات المتحدة لا ترغب في الانخراط في حرب جديدة مفتوحة في الشرق الأوسط، فيما تعلم إيران أن التصعيد الشامل قد يهدد بنيتها الاقتصادية والأمنية. لذلك يبدو أن خيار التصعيد المحدود أو المواجهات غير المباشرة يظل الأكثر ترجيحًا، ما لم تفرض تطورات ميدانية مسارًا مختلفًا.
إسرائيل بين القلق الاستراتيجي والاستعداد العسكري
تحتل إسرائيل موقعًا حساسًا في هذه المعادلة، إذ تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا. وقد أكدت القيادة الإسرائيلية مرارًا استعدادها للتحرك منفردة إذا رأت أن المسار الدبلوماسي لم يحقق هدف منع إيران من تطوير قدرات نووية عسكرية. وفي حال اندلاع نزاع مباشر بين واشنطن وطهران، قد يبرز دور إسرائيل عبر التنسيق الأمني والاستخباراتي، وربما المشاركة العملياتية إذا تعرضت مصالحها أو أراضيها لتهديد مباشر.
التأثيرات الإقليمية… صراع يتجاوز حدوده الثنائية
أي تصعيد لن يبقى حبيس العلاقة الأميركية–الإيرانية، بل سينعكس على أمن الخليج، واستقرار الممرات البحرية، وأسواق الطاقة العالمية. كما قد تجد قوى دولية كبرى نفسها مضطرة للتدخل دبلوماسيًا للحيلولة دون توسع رقعة النزاع. ومن شأن ذلك أن يحوّل أي مواجهة محدودة إلى اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على إدارة الأزمات المعقدة في بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية.
بين الدبلوماسية وحافة الهاوية
في المحصلة، يقف المشهد عند مفترق طرق دقيق: إما العودة إلى طاولة التفاوض بصيغة جديدة توازن بين متطلبات الأمن والاعتبارات السيادية، أو استمرار سياسة “حافة الهاوية” التي تبقي المنطقة في حالة ترقب دائم. ورغم تصاعد التوتر، يبقى الخيار الدبلوماسي الأقل كلفة والأكثر عقلانية، غير أن نجاحه يتوقف على إرادة سياسية حقيقية وقدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة تحفظ ماء الوجه وتجنب المنطقة صراعًا واسع النطاق.